بقلم: الوزير المغربي الراحل العربي المساري

وزير مغربي يكشف اسرار المفاوضات السرية بين ولد داداه والحسن الثاني

بقلم: الوزير المغربي الراحل العربي المساري

لم‮ ‬يتنازل المختار ولد داداه وهو أول رئيس لموريتانيا عن مطالبه في‮ ‬الحصول على جزء من الأراضي‮ ‬التي‮ ‬كانت تحتلها إسبانيا،‮ ‬وقد قضى عشرات جلسات المفاوضات الساخنة وجها لوجه مع الملك الحسن الثاني‮ ‬للاتفاق على الحدود المغربية الموريتانية بعد انسحاب إسبانيا،‮ ‬وكان أن تم ذلك سريا في‮ ‬سنة ‮‬1972،‮ ‬وانتظر ولد داداه مصادقة الحسن الثاني‮ ‬على الاتفاقية التي‮ ‬حضر توقيعها الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين،‮ ‬لكن الملك كان‮ ‬يقدم مبرراته في‮ ‬تأجيل المصادقة،‮ ‬منها ما‮ ‬يتعلق بالأوضاع الداخلية للمملكة التي‮ ‬عاشت انقلابين متتالين،‮ ‬ومنها التي‮ ‬أخبره بها في‮ ‬ما بعد وتتعلق بالحرب الخفية مع جزائر بومدين‮.‬

‮”‬لا للمغرب‭ !‬‮ ‬فقد كنا موريتانيين،‮ ‬ونحن اليوم موريتانيون،‮ ‬وسنظل موريتانيين‮”. ‬إنها واحدة من الشعارات الساخنة التي‮ ‬ظلت تحكم قادة الجارة الجنوبية حتى قبل استقلالها مع بداية الستينيات من القرن الماضي،‮ ‬ومن ضمن هؤلاء القادة الموريتانيين المختار ولد داداه الذي‮ ‬انتخب رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية في‮ ‬ماي‮ ‬1961،‮ ‬وأعيد انتخابه في‮ ‬هذا المنصب ثلاث مرات قبل أن‮ ‬يطيح به انقلاب عسكري‮ ‬في‮ ‬يوليو ‬1978‮.‬

لقد كان المغرب‮ ‬يطالب بعودة موريتانيا إلى الوطن الأم،‮ ‬وكان القادة الموريتانيون على نقيض من هذه المطالب التي‮ ‬أصر الملك محمد الخامس على التشبث بها وشرحها لمختلف دول العالم،‮ ‬حيث كان ملك المغرب مقتنعا بأن موريتانيا كانت إحدى المحافظات المغربية وقد اقتطعها الاستعمار الفرنسي‮ ‬من وطنها الأم‮ ‬غداة استقلال المملكة‮.‬

وعلى الرغم من المحاولات التي‮ ‬قام بها الملك محمد الخامس من اتصالات علنية مع قادة الدول الإفريقية والعربية من خلال عشرات وفود الوزراء والسفراء،‮ ‬أو من خلال اتصالات الوساطة السرية التي‮ ‬لعب فيها زعماء سياسيون مغاربة وأجانب دورا خاصا،‮ ‬فقد ظل ولد داداه ورفاقه في‮ ‬القيادة الموريتانية متشبثين بأحقية الأراضي‮ ‬الصحراوية التي‮ ‬كانت محتلة من طرف الاستعمار الإسباني‮ ‬والفرنسي‮ ‬على حد سواء‮.‬

وكانت أولى اللقاءات الرسمية التي‮ ‬تمت بين الرئيس الموريتاني‮ ‬والجانب المغربي،‮ ‬مع عبد الرحيم بوعبيد وزير الدولة المكلف بالشؤون الاقتصادية في‮ ‬يوليوز‮ ‬1957‮ :”‬وعلى الرغم من تعارض موقفينا تماما،‮ ‬فقد كان اللقاء وديا،‮ ‬وكان الهدف منه أن‮ ‬يُطلع كل منا الآخر مباشرة وبشكل صريح لا لبس فيه على موقف بلده من مطالبة المغرب بموريتانيا‮”.‬

لقد كان المغرب في‮ ‬موقع قوة من خلال مطالبته بموريتانيا،‮ ‬بالنظر إلى خارطة الحدود الملغومة التي‮ ‬تركها الاستعمار،‮ ‬وزاد في‮ ‬هذا الموقع المؤثر للطرف المغربي،‮ ‬انضمام شخصيات موريتانية إلى المغرب،‮ ‬غير أن رفاق ولد داداه كانوا‮ ‬يحسون بذلك الدعم الهائل من طرف فرنسا‮ : “‬لقد كان من الواجب،‮ ‬ونحن نعد العدة لاستقبال الاستقلال المنتظر،‮ ‬أن نقاوم دعاوى المغرب،‮ ‬وسندنا الأساس في‮ ‬ذلك فرنسا‮…”.‬

فقد أصبح ولد داداه ورفاقه‮ ‬يحسون بنوع من العزلة التي‮ ‬لا تكسر طوقها‮ ‬غير فرنسا الحليفة،‮ ‬خصوصا بعدما بدأ بعض الزعماء الموريطانيين‮ ‬يلتحقون بالفكرة المغربية،‮ ‬حيث كان عليه أن‮ ‬يهتم بالوحدة السياسية الداخلية للأحزاب والقبائل والعشائر فعقد مؤتمر الوحدة بين الأحزاب السياسية الموريطانية للشروع في‮ ‬بناء الأمة والدولة الموحدتين،‮ ‬وكان من بين الحاضرين في‮ ‬مؤتمر الوحدة الذي‮ ‬انعقد في‮ ‬ماي‮ ‬1958‮ ‬وفود من‮ “‬موريطانيا الإسبانية‮” ‬أي‮ ‬الصحراء التي‮ ‬كانت تحتلها إسبانيا،‮ ‬بقيادة خطري‮ ‬ولد سعيد الجماني‮ ‬رئيس البيهات،‮ ‬قبل أن‮ ‬يصبح من الزعماء الصحراويين المغاربة،‮ ‬والذي‮ ‬عاد لزيارة ولد داداه في‮ ‬نواكشوط سنة‮ ‬1962‮ ‬وبقي‮ ‬على اتصال به عن طريق بعض الوسطاء حتى سنة‮ ‬1975،‮ ‬وظل حتى ذلك التاريخ،‮ ‬رغم صلاته بالمغرب والجزائر،‮ ‬يعترف بموريطانية الصحراء التي‮ ‬تحتلها إسبانيا‮. ‬

ولا‮ ‬يخفي‮ ‬ولد داداه العلاقات الوطيدة والإستراتيجية التي‮ ‬كانت تربط بين موريطانيا وهي‮ ‬المقبلة على استقلالها الداخلي‮ ‬ثم الوطني،‮ ‬وبين الجمهورية الفرنسية،‮ ‬فلولاها لما تمكنت موريطانيا من الحصول على استقلالها،‮ ‬ومن الشروع في‮ ‬بناء اقتصادها عكس ما جرى بين فرنسا والمغرب،‮ ‬وهذا مثال واحد فقط‮ : “‬كانت شركة معادن حديد موريطانيا‮ “‬ميفرما‮” ‬قد أُنشئت سنة‮ ‬1952،‮ ‬ولكن ضخامة المبالغ‮ ‬التي‮ ‬يلزم توفيرها للبدء بالاستغلال حالت دون الشروع في‮ ‬التنفيذ،‮ ‬وهكذا لم تتمكن‮ “‬ميفرما‮” ‬من الانطلاق في‮ ‬عملها قبل الشروع في‮ ‬تنفيذ القانون الإطاري‮ ‬لسنة‮ ‬1957،‮ ‬وبما أن المساهمين لم‮ ‬يتمكنوا بمفردهم من توفير الأموال الضرورية لبدء العمل،‮ ‬فقد طلبوا قرضا بمبلغ‮ ‬سبعين مليون دولار من البنك الدولي‮ ‬لإعادة الإعمار والتنمية،‮ ‬وأدت ضخامة المبلغ‮ ‬والتطورات التي‮ ‬تعيشها أقاليم ما وراء البحار الخاضعة للنفوذ الفرنسي‮ ‬ومنها موريطانيا إلى تأخير هذا الملف فبقي‮ ‬يترنح في‮ ‬مكاتب البنك الدولي،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الوقت دخل عنصر جديد ذو طابع دبلوماسي‮ ‬زاد الطين بلة وهو مطالبة المغرب بموريطانيا،‮ ‬وقد أراد المغرب وهو عضو في‮ ‬البنك الدولي‮ ‬أن‮ ‬يمنع موريطانيا من الحصول على هذا القرض،‮ ‬وساندتها في‮ ‬ذلك بعض الدول الحليفة لها،‮ ‬وأعلن على الملأ ادعاءها بأن موريطانيا جزء لا‮ ‬يتجزأ من الأراضي‮ ‬المغربية ويحاول الاستعمار الفرنسي‮ ‬اقتطاعها ليقيم فيها نظاما صوريا‮ ‬يجند لتحقيق مآرب فرنسا‮ … ‬ورغم موقف المغرب وأنصاره،‮ ‬وافق البنك الدولي‮ ‬مبدئيا على القرض الذي‮ ‬سيمنح للشركة بشرط أن‮ ‬يكون مضمونا من لدن فرنسا وموريطانيا‮…”.‬

لقد كانت العلاقات بين المملكة في‮ ‬عهد الملك محمد الخامس والدول الإفريقية والعربية على وجه الخصوص طيبة للغاية،‮ ‬وهذا ما ساعدها على إقناع دول أجنبية عديدة بأحقية المغرب بموريطانيا،‮ ‬وهذا ما حدث بين محمد الخامس والرئيس المالي‮ “‬موديبو كيتا‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬ساند المغرب في‮ ‬إمكانية تقسيم الصحراء المتنازع عليها إلى جزء شرقي‮ ‬لمالي‮ ‬وجنوبي‮ ‬للسينغال والباقي‮ ‬للمغرب،‮ ‬وهو المشروع الذي‮ ‬سماه ولد داداه بالشيطاني‮.‬

ومع بداية سنة‮ ‬1960،‮ ‬أصبح المغرب أشد تشبثا بدعواه بانضمام الأراضي‮ ‬الموريطانية إلى حظيرة الوطن وكثف جهوده الديبلوماسية شيئا فشيئا مع اقتراب موعد استقلال موريطانيا،‮ ‬حيث قام محمد الخامس شخصيا بحملة ديبلوماسية واسعة زار في‮ ‬نطاقها كافة دول المشرق العربي‮ ‬تقريبا،‮ ‬وضم إلى محيطه الشخصيات الموريطانية الرئيسة التي‮ ‬لجأت إلى المغرب،‮ ‬ويعتبر حضورها أكبر دليل على وجاهة المطالب المغربية في‮ ‬موريطانيا،‮ ‬وكان من نتيجة هذه الحملة أن اعترفت كافة الدول بالطابع المغربي‮ ‬لموريطانيا،‮ ‬وكان الشيء الأكثر بروزا هو القرار الذي‮ ‬تم تبنيه في‮ ‬مؤتمر‮ “‬شتورة‮” ‬بلبنان حيث أصدرت اللجنة السياسية للجامعة العربية توصية بـ”مساندة المغرب‮ ‬في‮ ‬مطالبته باستعادة موريطانيا بوصفها جزءا لا‮ ‬يتجزأ من أراضيه،‮ ‬ودعمها لموقف المغرب في‮ ‬الأمم المتحدة‮”.‬

لقد اتسمت العلاقة بين موريطانيا والمغرب حسب ولد داداه بالتوتر والعداء خلال فترة الستينيات،‮ ‬لدرجة أن طالب المغرب في‮ ‬عهد الملك محمد الخامس بإدراج القضية الموريطانية في‮ ‬جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة،‮ ‬وأرسل بعثات جابت أرجاء العالم ليعرض وجهة نظره‮ … ‬غير أن هذا المنطق في‮ ‬المطالبة بموريطانيا شهد تغيرا في‮ ‬عهد الملك الحسن الثاني،‮ ‬ولربما قبل أن‮ ‬يصبح مولاي‮ ‬الحسن ملكا،‮ ‬وكان أول موقف عبر عنه ولي‮ ‬العهد آنذاك وهو نائب رئيس الحكومة لجريدة‮ “‬لوموند‮” ‬الفرنسية في‮ ‬يونيو‮ ‬1960‮ : “‬ليس من مصلحة المغرب أن‮ ‬يحكم موريطانيا قواد‮ ‬caids‮ ‬مغاربة،‮ ‬وأملنا أن نوفق إلى تحقيق نوع من الشراكة التي‮ ‬تقام بين دولة وأخرى‭ !‬‮” ‬فرد ولد داداه‮ :”‬لأول مرة،‮ ‬تتحدث شخصية مغربية سامية عن موريطانيا كدولة‮”.‬

الأكثر من ذلك،‮ ‬فقد علق الحسن الثاني‮ ‬على طلب إدراج القضية الموريطانية في‮ ‬جدول أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقوله‮ : “‬ليس لدي‮ ‬كبير أمل في‮ ‬أن تحل الأمم المتحدة المسألة الموريطانية،‮ ‬وأرى أن المشكلة الموريطانية تعني‮ ‬أولا وقبل كل شيء أبناء موريطانيا أنفسهم‮”، ‬وبعد أيام قليلة وصل مولاي‮ ‬الحسن إلى نيويورك ليقوم بالدفاع أمام أكبر هيئة دولية عن الملف الذي‮ ‬تقدم به المغرب فأعلن من جديد‮ : “‬إننا لم نعارض أبدا استقلال موريطانيا من حيث المفهوم أو الفكرة،‮ ‬ولكننا نعارض من‮ ‬يسعون إلى التفرقة ليسودوا،‮ ‬فيقومون بإنشاء دول مصطنعة‮”.‬

وبعد فترة طويلة من هذا التاريخ،‮ ‬التقى الحسن الثاني‮ ‬بولد داداه في‮ ‬شتنبر‮ ‬1969‮ ‬في‮ ‬الرباط بحضور الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين وأخبره بالنقاش الطويل الذي‮ ‬دار بينه وبين والده محمد الخامس بشأن موريطانيا ودخولها الأمم المتحدة بشكل خاص،‮ ‬وعلق الملك قائلا‮ : “‬إن ولي‮ ‬العهد ونائب رئيس الحكومة عليه أن‮ ‬يمتثل لأوامر أبيه الذي‮ ‬هو في‮ ‬الوقت ذاته رئيس حكومته وملكه‮. ‬لقد قمت بالدفاع عن ذلك الملف طاعة لأبي‮ ‬وملكي،‮ ‬ولم أتمكن‮ ‬يومها من إقناع كل المشاركين في‮ ‬الجمعية العامة للأمم المتحدة‮”.‬

لقد عملت الجمهورية الإسلامية الموريطانية على الخروج من الطوق الذي‮ ‬وضعه الملك محمد الخامس عليها،‮ ‬وسارع ولد داداه إلى الحضور في‮ ‬كافة احتفالات إعلان استقلال الدول الإفريقية،‮ ‬وحرص على أن‮ ‬يترأس شخصيا وفود موريطانيا إلى‮ “‬ياوندي‮” ‬و”لومي‮” ‬و”داكار‮” (‬فيدرالية مالي‮) ‬ثم‮ “‬مقاديشيو‮” ‬و”أبيدجان‮” ‬و”لاغوس‮”‬،‮ ‬ثم عمل على الاتصال برؤساء الدول والمسؤولين السامين،‮ ‬وقابل وفودا أجنبية عديدة إفريقية وعربية وأوربية وآسيوية وأمريكية‮ … ‬وقد كانت مواقف الوفود العربية باستثناء الوفد التونسي‮ ‬تتسم دوما بالتحفظ تجاه الموقف الموريطاني‮ :”‬غير أنه اتضح لي‮ ‬أن هذه الوفود كانت تجهل تماما موقفنا،‮ ‬فلم‮ ‬يسمعوا‮ ‬غير وجهة النظر المغربية‮”.‬

وكانت أول مرة‮ ‬يناقش فيها ولد داداه موضوع موريطانيا مع مسؤول عربي‮ ‬في‮ ‬يوليوز‮ ‬1960‮ ‬في‮ “‬مقديشو‮” ‬بالصومال مع محمد فائق مستشار الرئيس جمال عبد الناصر للشؤون الإفريقية،‮ ‬فكانت بداية تغير الموقف المصري‮ ‬من المسألة الموريطانية،‮ ‬تلاه تغير الموقف النيجيري‮ ‬ثم الموقف التونسي‮ ‬حيث أكد له الدكتور الصادق المقدم وزير الشؤون الخارجية‮ : “‬إننا نقف إلى جانبكم بدون شرط،‮ ‬وسيكون لهذه القضية انعكاس كبير على علاقاتنا مع المغرب،‮ ‬ويمكن أن‮ ‬يصل الأمر إلى قطع المملكة المغربية علاقاتها الديبلوماسية معنا،‮ ‬ولكن ذلك لا‮ ‬يهمنا مادمنا مقتنعين بعدالة قضيتكم،‮ ‬وهو ما سنوضحه في‮ ‬الاعتراف باستقلالكم،‮ ‬إن المجاهد الأكبر لا تأخذه في‮ ‬مبادئه لومة لائم‮”.‬

والأكثر من ذلك،‮ ‬فقد بدأت بعض الدول العربية بالاعتراف بالجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬مثل سوريا في‮ ‬سنة‮ ‬1966‮ ‬ثم العراق في‮ ‬1969‮ ‬فلبنان في‮ ‬سنة‮ ‬1971‮ ‬والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت ومصر وقطر‮ … ‬بالإضافة إلى الدول الإفريقية التي‮ ‬كانت إلى جانب موريطانيا في‮ ‬حملتها الدبلوماسية أو الدول التي‮ ‬كانت تدعم بالسلاح مثل ليبيا‮.‬

وعلى وجه العموم،‮ ‬منذ سنة‮ ‬1962،‮ ‬غيرت الرياح اتجاهها في‮ ‬ما‮ ‬يخص الموقف المغربي‮ ‬في‮ ‬عهد الملك الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ ‬بدأ‮ ‬يضاعف اتصالاته الدبلوماسية،‮ ‬حيث طلب بشكل خاص من الجنرال ديغول أن‮ ‬يكون وسيطا بينه وبين ولد داداه،‮ ‬ولربما اختار الحسن الثاني‮ ‬وساطة ديغول نظرا للعلاقة الخاصة التي‮ ‬تربط بين فرنسا وموريطانيا من جهة،‮ ‬وبين رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الجمهورية الموريطانية أيضا،‮ ‬وقد استقبل ديغول ولد داداه في‮ ‬مكتبه الخاص في‮ ‬الزيارة التي‮ ‬قام بها لباريس بين‮ ‬23‮ ‬و26‮ ‬ماي‮ ‬1962،‮ ‬بعد الزيارة التي‮ ‬قام بها الحسن الثاني‮ ‬لديغول‮ ‬يومي‮ ‬10‮ ‬و11‮ ‬من نفس الشهر ونفس السنة‮ : “‬السيد الرئيس‮ ‬‭-‬‮ ‬يقول ديغول لولد داداه‮ ‬‭-‬‮ ‬لقد استقبلت منذ قليل،‮ ‬كما تعلمون ملك المغرب الذي‮ ‬كان على علم بقدومكم إلى باريس في‮ ‬زيارة رسمية،‮ ‬فطلب مني‮ ‬مقابلتي‮ ‬ليحدثني‮ ‬خصوصا عن موريطانيا‮ … ‬وكلفني‮ ‬بأن أُبلغكم برغبته الصادقة في‮ ‬إيجاد حل مناسب‮ ‬يمكنه من التخلص من هذا الإرث المزعج الذي‮ ‬تركه له الفقيد محمد الخامس،‮ ‬وهو‮ ‬يطلب منكم مساعدته في‮ ‬الوصول إلى هذا الحل المنشود،‮ ‬وهو حل‮ ‬يحمل بين ثناياه مصالح الشعبين،‮ ‬ويسمح بإقامة علاقات طبيعية بين بلده وبلدكم على المستويين الداخلي‮ ‬والخارجي،‮ ‬وذلك باعتبار بلدكم بلدا مستقلا كامل السيادة،‮ ‬ولكن هذا الحل‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتخذ شكلا‮ ‬يصون للملك ماء وجهه،‮ ‬وخاصة أمام حزب الاستقلال وزعيمه علال الفاسي،‮ ‬فهذا الحزب وزعيمه لا‮ ‬يرغبان في‮ ‬سماع أي‮ ‬حديث عن الاعتراف بموريطانيا من لدن المغرب،‮ ‬وبما أن الملك على علم بموقفكم فإنه‮ ‬يكتفي‮ ‬باعترافكم بأي‮ ‬شكل من أشكال السيادة الروحية،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يتسن ذلك فإنه‮ ‬يقبل صيغة أخرى‭ ‬مثل الاتحاد بين بلدين مستقلين وكاملي‮ ‬السيادة كما هو حاصل بين‮ ‬غانا وغينيا ومالي‮ …”.‬

وعلى الرغم من العلاقة التي‮ ‬تجمع بين الطرفين،‮ ‬ديغول وولد داداه،‮ ‬وبين البلدين،‮ ‬فرنسا ومورريطانيا،‮ ‬فقد فشلت المساعي‮ ‬الحميدة للرئيس الفرنسي‮ ‬بعد تشبث الرئيس الموريطاني‮ ‬بموقفه،‮ ‬على الرغم من ذلك التهديد المبطن الذي‮ ‬عبر عنه ديغول‮ : “… ‬فرنسا ستكون محرجة في‮ ‬مقاومة المغرب إذا قامت الأخيرة باجتياح الجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬وهذا احتمال وارد،‮ ‬خاصة أن المغرب سيستعيد دون شك،‮ ‬تيندوف بعد نهاية‮ ‬حرب الجزائر التي‮ ‬أصبحت نهايتها وشيكة‮…”.‬

بعد ديغول،‮ ‬طلب الملك الحسن الثاني‮ ‬وساطة الرئيس‮ “‬سنغور‮” ‬عن طريق مستشاره السياسي‮ ‬لرئيس الجمهورية السينغالية،‮ ‬وهذه المرة طلب الملك أن تكون المباحثات سرية تفضي‮ ‬إلى توقيع اتفاق ذي‮ ‬طابع فيدرالي‮ ‬أو كونفدرالي،‮ ‬وأن الملك سيعامل ولد داداه كرئيس دولة،‮ ‬غير أن هذا الأخير كان له رأي‮ ‬آخر‮ : “… ‬ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يعترف به علنا هو استقلال وسيادة الدولة الموريطانية،‮ ‬وبعد ذلك فقط نصبح مستعدين لنقاش اتفاقيات تحكم العلاقات في‮ ‬المجالات التي‮ ‬تقتضيها المصلحة المشتركة للمغرب وموريطانيا على‮ ‬غرار الاتفاقيات التي‮ ‬تربطنا بفرنسا أو دول الاتحاد الإفريقي‮ ‬الملغاشي‮”.‬

لقد كان الرئيس الموريطاني‮ ‬الذي‮ ‬ظل متشبثا بموقفه تجاه المغرب متأكدا من ذلك التقدم الديبلوماسي‮ ‬الذي‮ ‬تحققه موريطانيا،‮ ‬خصوصا باعترافها باستقلال الدول الإفريقية أو مناصرتها ضد التدخلات الأجنبية من قبيل اعترافها بالجزائر فور إعلان استقلالها،‮ ‬كما زاد قبول عضوية موريطانيا في‮ ‬الأمم المتحدة سنوات قليلة بعد استقلالها من دعم الموقف الموريطاني‮ ‬المصر آنذاك على إعلان المغرب اعترافه بها‮.‬

ويقول ولد داداه في‮ ‬مذكراته إن المغرب ازدادت عزلته الدبلوماسية التي‮ ‬لم‮ ‬يخرج منها إلا في‮ ‬سنة‮ ‬1969‮ ‬بفضل انعقاد القمة الإسلامية الأولى بالرباط،‮ ‬وكانت هذه السنة سنة تطبيع العلاقات الموريطانية المغربية،‮ ‬حيث طلب الطيب بنهيمة وزير الخارجية المغربي‮ ‬من ولد داداه حضور القمة الإسلامية بالرباط بناء على طلب من جلالة الملك الحسن الثاني،‮ ‬وكان جواب المختار ولد داداه كالتالي‮ : “‬إذا تلقيت من الملك دعوة مماثلة لتلك التي‮ ‬سيوجه لرؤساء الدول المدعوة لحضور المؤتمر،‮ ‬فسأرد عليها بالإيجاب وبكل سرور‮”‬،‮ ‬وهكذا كان،‮ ‬حيث‮ ‬نزل الرئيس الموريطاني‮ ‬بمطار الرباط‮ ‬يوم‮ ‬22‮ ‬شتنبر‮ ‬1969‮ : “‬ورأيت الملك محاطا بلجنة الاستقبال عند سلم الطائرة التي‮ ‬تقل وفدنا،‮ ‬وعلمُنا‮ ‬يرفرف إلى جانب العلم المغربي‮ ‬وسط حوالي‮ ‬الأربعين من أعلام مختلف الدول الإسلامية،‮ ‬ثم استمعنا إلى‭ ‬نشيدنا الوطني‮ … ‬فخامرني‮ ‬شعور بالارتياح والعزة قلما شعرت به‮”.‬

وفي‮ ‬بداية المؤتمر عرض الرئيس بومدين على الرئيس الموريطاني‮ ‬أن‮ ‬ينظم في‮ ‬الفيلا التي‮ ‬يقيم فيها لقاء بينه وبين الملك،‮ ‬فتم اللقاء،‮ ‬وهذا جزء مما حدث فيه حسب المذكرات دائما‮ : “‬لقد شكر الملك الرئيس‮ ‬بومدين،‮ ‬وقال بنبرة مزاح ودي‮ ‬إنني‮ ‬كنت خصما عنيدا ثم بدأ‮ “‬الاعتراف بخطاياه‮” ‬وقال لم أكن في‮ ‬يوم من الأيام أوافق على مطالبة المغرب بموريطانيا،‮ ‬وأعربت دوما‮ ‬‭-‬‮ ‬والكلام للملك‮ ‬‭-‬‮ ‬عن ذلك الموقف كلما سنحت لي‮ ‬الفرصة،‮ ‬وبالذات في‮ ‬جريدة لوموند،‮ ‬وأعربت لكم عن ذلك عن طريق أكثر من وسيط،‮ ‬غير أني‮ ‬لم أكن سوى ولي‮ ‬عهد ورئيس حكومة المغفور له والدي‮ ‬الذي‮ ‬كان له رأي‮ ‬مغاير لرأيي‮…‬ وأتذكر أنني‮ ‬حملت والدي‮ ‬رحمه الله عناء سهر ليلة كاملة سنة‮ ‬1960‮ ‬حين كلفني‮ ‬بالذهاب إلى الأمم المتحدة للتعبير عن معارضة المغرب لدخول بلدكم حظيرة هذه الهيئة الدولية‮. ‬كانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي‮ ‬أناقش فيها أمرا من أبي‮ ‬قبل أن أنفذه،‮ ‬وقد وضع حدا للنقاش قائلا‮ : “‬آمرك بالذهاب إلى نيويورك لمساندة موقف حكومتنا‮”. ‬وقد استجبت بالطبع لأمره دون أن أقتنع به،‮ ‬ولذا كنت،‮ ‬فيما أعتقد،‮ ‬خطيبا‮ ‬غير مقنع أمام الأمم المتحدة لأنني‮ ‬كنت أُدافع عن موقف لا أقتنع به،‮ ‬وهو أمر مخالف لطبيعتي‮. ‬ثم‮ ‬غاب والدي‮ ‬فجأة وكنت ولي‮ ‬عهده في‮ ‬كل شيء،‮ ‬ولم‮ ‬يكن بوسعي‮ ‬بين عشية وضحاها أن أُغير موقفه وإلا لأُوِّل ذلك على أنه تنكر له ولسياسته‮ …” ‬ثم اقترح الملك على مضيفه البقاء في‮ ‬الرباط‮ ‬يومين أو ثلاثة بعد انتهاء أشغال القمة الإسلامية وضعت خلالها أهم قواعد التعامل المستقبلي‮ ‬الذي‮ ‬سيفضي‮ ‬إلى اتفاقات سرية‮ ‬يكشف عنها صاحب المذكرات‮.‬

وكان من أهم الاتفاقات التي‮ ‬بين البلدين جرت بعد القمة الإسلامية لسنة‮ ‬1969،‮ ‬تبادل البعثات الدبلوماسية وتبادل السفراء والتحضير للقاء الدار البيضاء في‮ ‬يونيو‮ ‬1970‮ ‬والذي‮ ‬انتهى بتوقيع معاهدة تضامن وتعاون وحسن جوار،‮ ‬وبعد توقيع البيان الختامي‮ ‬الذي‮ ‬أكد تدارس رئيسي‮ ‬الدولتين الوضع في‮ ‬الصحراء الواقعة تحت الاحتلال الإسباني‮ ‬وقررا التعاون الوثيق للتعجيل بزوال الاستعمار وتحرير هذه الأراضي‮ ‬طبقا لقرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن،‮ ‬ناجى الملك ضيفه‮ : “‬علينا أن نحذر من الجزائريين وأن لا نشركهم في‮ ‬قضية الصحراء هذه،‮ ‬فهم الآن‮ ‬يقولون إنه لا دعاوى لديهم فيها،‮ ‬وأنهم معنيون فقط بتصفية الاستعمار منها لاسيما وأنها مجاورة للجزائر بل ومتاخمة لها،‮ ‬إنني‮ ‬أعرفهم أكثر منكم،‮ ‬فهم قادرون على تناسي‮ ‬التزاماتهم ومطالعتنا بمطالب لا‮ ‬يعلم إلا الله الوجه الذي‮ ‬ستتخذه‮…”.‬

ويبقى الأهم في‮ ‬هذا اللقاء الذي‮ ‬جمع بين الطرفين بالدار البيضاء هو أن ما كان‮ ‬يتمنى الملك الحصول عليه لم‮ ‬يتحقق،‮ ‬حيث أن الرئيس الموريطاني‮ ‬لم‮ ‬يتنازل عن مطالب بلاده في‮ ‬الصحراء الإسبانية‮ : “‬وفي‮ ‬حديثه عن الصحراء المسماة إسبانية،‮ ‬قال الملك في‮ ‬مستهل حديثه إنه كان‮ ‬يعتقد أن مطالبتنا بهذه الأراضي‮ ‬لم تكن بالنسبة لنا سوى وسيلة ضغط على المغرب لحمله على الاعتراف باستقلالنا‮ … ‬والآن،‮ ‬وقد تحقق هذا الاعتراف بشروطكم،‮ ‬أعتقد أنكم لن تتخلوا عن مطالبكم فحسب،‮ ‬بل إنكم كذلك ستساعدوننا في‮ ‬طرد المستعمرين الأسبان من أرضنا‮…” ‬غير أن جواب ولد داداه قد أثار حفيظة الملك‮ : “‬ما فتئنا نؤكد حصولنا على استقلالنا الداخلي،‮ ‬ثم استقلالنا الوطني،‮ ‬وأن الصحراء جزء لا‮ ‬يتجزأ من ترابنا الوطني‮ ‬يتعين علينا استرجاعه وتوحيده مع الجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬فالمستعمرون الفرنسيون والأسبان قد قسموا بلادنا إلى مستعمرتين هي‮ ‬موريطانيا الفرنسية التي‮ ‬نالت استقلالها،‮ ‬وموريطانيا الإسبانية التي‮ ‬يتعين تحريرها وتوحيدها مع الشطر الثاني‮”.

بعد قمة الدار البيضاء الإسلامية وما جرى خلالها من اتفاقيات على الهامش،‮ ‬التقى ولد داداه والحسن الثاني‮ ‬والهواري‮ ‬بومدين في‮ ‬قمة نواذيبو في‮ ‬شتنبر‮ ‬1970،‮ ‬وهي‮ ‬القمة التي‮ ‬لم تدم إلا‮ ‬يوما واحدا،‮ ‬كان من أهم خلاصاته تأكيد الجزائر أن لا مطالب لها في‮ ‬الصحراء المسماة إسبانية،‮ ‬إلا أنها لا‮ ‬يمكن ألا تهتم بتحريرها نظرا إلى أن‮ ‬الأمر‮ ‬يتعلق بأراض مجاورة،‮ ‬وأن كل ما تتمناه أن‮ ‬يتوصل البلدان الشقيقان إلى اتفاق من شأنه الإسراع بإزالة الاستعمار عن هذه الأرض،‮ ‬وأن من أجل تلك الغاية،‮ ‬فإن الجزائر تضع نفسها تحت تصرفهما لمساعدتهما على التوصل إلى حل‮ ‬يقبل به الجميع… ‬وهكذا كان بعدما تشكلت لجنة ثلاثية مكلفة بمتابعة مسار تصفية الاستعمار من الصحراء الخاضعة للاحتلال الإسباني‮ … ‬غير أن التنافس الجزائري‮ ‬المغربي‮ ‬الصامت أولا ثم المعلن ثانيا،‮ ‬شل أعمال اللجنة وأفقدها أية فعالية،‮ ‬وتحولت اللقاءات إلى مشاداة كلامية أصبحت شيئا فشيئا صاخبة وعنيفة،‮ ‬وكانت الدورة الأخيرة للجنة المنعقدة بنواكشوط في‮ ‬1974‮ ‬عاصفة للغاية‮ …‬

إن المثير في‮ ‬ميزان القوى بين المغرب وموريطانيا على الساحة الإفريقية والدولية هو أن التطورات السياسية التي‮ ‬حققتها موريطانيا قد تمت وهي‮ ‬خارج الجامعة العربية وخارج العلاقات الإفريقية العربية،‮ ‬فجاءت سنة‮ ‬1972‮ ‬وكان على ولد داداه أن‮ ‬يسلم مهمة الرئيس الدوري‮ ‬لمنظمة الوحدة الإفريقية للملك الحسن الثاني،‮ ‬وحضر إلى الرباط لمساعدة الملك في‮ ‬التحضير للقمة،‮ ‬فكان أن تم التوقيع على هامش أشغال القمة الإفريقية على بداية أول اتفاق سري‮ ‬بين موريطانيا والمغرب حول قضية الصحراء وهذه التفاصيل‮.‬

قلنا إن الملك الحسن الثاني‮ ‬كان‮ ‬يعتقد أن موريطانيا ستتنازل عن مطالبها في‮ ‬الصحراء بعد اعتراف المغرب باستقلالها،‮ ‬فلم‮ ‬يسئم من مطالبة الرئيس الموريطاني‮ ‬بذلك‮ : ” ‬إنني‮ ‬‭-‬‮ ‬يقول الملك‮ ‬‭-‬‮ ‬باعترافي‮ ‬بالجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬وبتنازلي‮ ‬عن منطقة تيندوف لصالح الجزائر،‮ ‬قد قدمت أقصى ما‮ ‬يمكن من تنازلات لا لأتمتع بعلاقات طبيعية فحسب بل وامتيازية مع جارتي‮ ‬المغربيتين‮ … ‬وعليكم إذن أن تساعدوني‮ ‬يا سيادة الرئيس‮ …” ‬لكن مثل هذه الخطابات المتكررة لم تكن تلق آذانا صاغية لدى ولد داداه‮.‬
وكان قبيل اختتام المؤتمر أن التقى الملك بمضيفه الموريطاني‮ ‬على انفراد،‮ ‬واتفقا بطلب من الملك،‮ ‬على تبادل رسائل سرية بشأن تقسيم الصحراء الخاضعة للاحتلال الإسباني‮ ‬إلى جزء شمالي‮ ‬مغربي‮ ‬تسكنه قبائل مغربية،‮ ‬وآخر جنوبي‮ ‬موريطاني‮ ‬آهل بالقبائل الموريطانية،‮ ‬على أن‮ ‬يعقد فنيين لقاء لتحديد الخط الفاصل بين المنطقتين بأقصى ما‮ ‬يمكن من الدقة‮ : “‬لقد أعطيت موافقتي‮ ‬لاقتراح الملك وإن أخبرته بأن سرا مثل هذا لا‮ ‬يمكن أن أخفيه على أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي‮ ‬الوطني،‮ ‬ومن جانبه قال لي‮ ‬أنه لن‮ ‬يطلع أحدا سوى الجنرال أوفقير‮ “‬مؤتمن سري‮ ‬الذي‮ ‬لا أحتفظ بسر عنه‮” …”‬،‮ ‬وهذا ما حدث فعلا،‮ ‬حيث تبادل الطرفان الرسائل التي‮ ‬تولى مهمة طباعتها ضابط صف‮ “‬أصم كالصخرة‮” ‬وحضر لحظة تبادل الرسائل الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين‮ : “‬وكنا نحن الثلاثة سعداء جدا‮”‬،‮ ‬غير أن النشوة التي‮ ‬كانت تتملك الرئيس الموريطاني‮ ‬لم تدم طويلا،‮ ‬حيث لم‮ ‬يوقع الملك اتفاقية الرباط التي‮ ‬كان‮ ‬ينتظرها بومدين في‮ ‬الآجال المحددة،‮ ‬وزاد في‮ ‬تأجيل هذا الأمر حدوث ثاني‮ ‬انقلاب فاشل بالمغرب‮ … “‬وابتداء من نهاية‮ ‬1972،‮ ‬بدأ بومدين‮ ‬يشك في‮ ‬صدق نية الملك التي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يثق بها أبدا ثقة كبيرة‮ … ‬أما الملك الذي‮ ‬كنت أنبهه من حين لآخر مباشرة أو عن طريق المراسلة،‮ ‬فكان‮ ‬يجيبني‮ ‬بأن الوضع الداخلي‮ ‬في‮ ‬المملكة‮ ‬يستحوذ على اهتمامه إلا أنه سيصدق على تلك الاتفاقيات في‮ ‬أقرب فرصة ممكنة‮”‬،‮ ‬غير أن هناك أمورا أخرى ربما هي‮ ‬التي‮ ‬جعلت الملك‮ ‬يؤجل مصادقته على الاتفاقية السرية لترسيم الحدود المغربية الجزائرية‮.‬

لقد بدأ الملك‮ ‬يصرح لمحاوره الموريطاني‮ ‬علانية بأنه‮ ‬يتهم بومدين بتدبير عمل ما ضد المغرب بالتعاون مع إسبانيا،‮ ‬كما كان الرئيس الجزائري‮ ‬يزداد قناعة بأن الملك لن‮ ‬يصادق على الاتفاقيات وأنه‮ ‬يسعى فقط إلى كسب الوقت،‮ ‬وخلال‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬ظل كل من قائدي‮ ‬الدولتين‮ ‬يعلن مآخذه على الآخر لولد داداه‮ : “‬إن الأمر‮ ‬يتعلق بأزمة ثقة عميقة لا محيد عنها في‮ ‬ما‮ ‬يبدو‮ … ‬وقناعتي‮ ‬الراسخة،‮ ‬هي‮ ‬أنه لو قام الملك بالتصديق على اتفاقيات الرباط بشأن الحدود الجزائرية المغربية،‮ ‬لما استمالت الجزائر جبهة تحرير الصحراء المولودة بالزويرات في‮ ‬موريطانيا لتكون نواة للبوليزاريو،‮ ‬وبعبارة أخرى،‮ ‬فإن حرب الصحراء ما كان لها أن تكون لو أن ملك المغرب صدَّق على اتفاقيات الرباط‮”.‬

وكان في‮ ‬كل مرة‮ ‬يطرح فيها ولد داداه قضية اتفاقية‮ ‬1972‮ ‬السرية مع الملك الحسن الثاني‮ ‬يقدم هذا الأخير بعض المبررات التي‮ ‬لم تكن تقنع محاوره،‮ ‬من قبيل الأوضاع الداخلية للمملكة التي‮ ‬عاشت انقلابين متتالين،‮ ‬ولربما كان الملك‮ ‬يبحث عن الفرصة المناسبة لإخبار المختار ولد داداه بالاقتراح الذي‮ ‬اعتبره هذا الأخير‮ ‬غير متوقع،‮ ‬مفاده أن تتم تسوية القضية بين المغرب،‮ ‬لوحده ومباشرة،‮ ‬مع الحكومة الإسبانية أولا،‮ ‬ثم مع موريطانيا ثانيا‮ :” ‬وأُعطيكم على ذلك‮ ‬عهد شرف،‮ ‬وإلا فإن إسبانيا ستواصل اللعب على ثنائية محدثيها وتصرح لكل واحد منهم بمنطق‮ ‬يختلف عن الآخر‮” ‬وهو الاقتراح الذي‮ ‬رفضه ولد داداه‮.‬
ولكي‮ ‬يؤكد الملك حسن نيته في‮ ‬الاقتراح الذي‮ ‬تقدم به للرئيس الموريطاني،‮ ‬أقدم على خطوة اعتبرتها موريطانيا سابقة في‮ ‬تاريخ العلاقات بين البلدين،‮ ‬وتتمثل في‮ ‬اقتراح اعتراف البلدين بحقوقهما في‮ ‬الأمم المتحدة وبطلب هذه الأخيرة رفع القضية إلى محكمة لاهاي‮ :” ‬وقد أعطيت موافقتي‮ ‬على هذا الإجراء الذي‮ ‬يقدم الدليل على أنه لم‮ ‬يعد هناك لبس في‮ ‬الموقف المغربي‮” ‬يقول الرئيس الموريطاني‮.‬

وفي‮ ‬أعقاب اجتماع قمة الجامعة العربية المنعقدة بالرباط في‮ ‬أكتوبر في‮ ‬سنة‮ ‬1974،‮ ‬وبعدما أعاد الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين التأكيد على انعدام أية مطالب لها في‮ ‬الصحراء المتنازع عليه،‮ ‬انتقل المغرب وموريطانيا إلى رسم الحدود بين البلدين،‮ ‬وهي‮ ‬العملية التي‮ ‬باشرها الحسن الثاني‮ ‬والمختار ولد داداه في‮ ‬لقاءين متتالين وجها لوجه،‮ ‬بعدما تعذر الأمر على لجنة مشتركة،‮ ‬حيث لم‮ ‬يقبل ملك المغرب التنازل لموريطانيا إلا عن الكويرة وشريط ضيق محاذ لخليج نواديبو،‮ ‬وهو ما سيجعل الحدود تمر بدائرة العرض‮ ‬22،‮ ‬حيث كان الطرف الموريطاني‮ ‬يطالب بكامل منطقة وادي‮ ‬الذهب تاركا للمغرب منطقة الساقية الحمراء‮.‬

وفي‮ ‬دجنبر التقى الطرفان من جديد،‮ ‬وكانت المفاوضات صعبة لا تحل قضايا إلا على مستوى الملك والرئيس مباشرة،‮ ‬حيث لم تفض،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬جلستا عمل إلى أية نتيجة،‮ ‬وقد كان الإشكال قائما على مستوى الداخلة،‮ ‬حيث قال الحسن الثاني‮ ‬للرئيس الموريطاني‮ :”‬إن الإشكال الوحيد بالنسبة لي‮ ‬هو مآل الداخلة،‮ ‬فالداخلة هي‮ ‬الميناء الطبيعي‮ ‬الوحيد في‮ ‬هذا الإقليم،‮ ‬ولا بديل عنه من المنظور الإستراتيجي،‮ ‬ولابد لنظام دفاع المملكة العام من عودة الداخلة إلى المغرب،‮ ‬ولهذا السبب أعتبر أن الداخلة أكثر أهمية من باقي‮ ‬الصحراء كلها،‮ ‬فهناك بالطبع كثير من الفوسفاط في‮ ‬إقليم الساقية الحمراء،‮ ‬غير أن هذا الفوسفاط‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون بالإمكان الدفاع عنه وربما تصديره‮ ‬يوما ما عن طريق الداخلة،‮ ‬لأن‮ ‬النظام الذي‮ ‬شيده الإسبان في‮ ‬العيون‮ ‬غير قابل للبقاء،‮ ‬فهو عبارة عن مرفأ،‮ ‬ولذا أقترح عليكم خط حدود‮ ‬عموديا وليس أفقيا‮ ‬يمنحكم أرضا أوسع،‮ ‬أي‮ ‬الجزء الأكبر من وادي‮ ‬الذهب‮ …”.‬

وقد رفض ولد داداه كل تفاصيل هذا الاقتراح‮ :” ‬إذا كنا متمسكين باتفاقية‮ ‬1972،‮ ‬فأجدد اقتراحي‮ ‬بترك إقليم وادي‮ ‬الذهب لموريطانيا الذي‮ ‬تتطابق حدوده مع خط العرض‮ ‬26،‮ ‬ولن تقبل الجمهورية الإسلامية الموريطانية بحال من الأحوال أي‮ ‬حل‮ ‬يترك الداخلة،‮ ‬عاصمة إقليم وادي‮ ‬الذهب،‮ ‬خارج أرض موريطانيا‮. ‬وإذا كان الأمر بخلاف ذلك،‮ ‬فلنوقع محضرا بعجزنا هذه المرة عن الوصول إلى حل وسنواصل مفاوضاتنا آملين أن‮ ‬يلهمنا الله سواء السبيل‮”.‬

وبعد استئناف المفاوضات،‮ ‬صرح الملك للرئيس الموريطاني‮ ‬بارتياح وبشاشة،‮ ‬بموافقته حصول موريطانيا على الداخلة‮ :” ‬غير أن الحدود التي‮ ‬تقترحون‮ ‬غير مقبولة بالنسبة للمغرب الذي‮ ‬تنازل عن النقطة الرئيسة المتعلقة بالداخلة،‮ ‬فوادي‮ ‬الذهب أكبر مرتين من إقليم الساقية الحمراء‮” ‬يقول الملك الحسن الثاني‮ ‬ناقش الطرفين مطولا والخريطة بين‮ ‬يديهما قبل أن‮ ‬يتم الاتفاق بين شطري‮ ‬الصحراء المتطابقة مع خط العرض‮ ‬24‮ ‬المار مباشرة إلى الشمال من الداخلة،‮ ‬وهكذا‮ “‬صعد‮” ‬الحسن الثاني‮ ‬من خط العرض‮ ‬22‮ ‬إلى الخط‮ ‬24‮ ‬و”نزل‮” ‬ولد داداه من خط العرض‮ ‬26‮ ‬إلى الخط‮ ‬24‮ … ‬وفي‮ ‬الغد طلب الملك من محاوره إضافة تعديل طفيف بأن‮ ‬يترك للمغرب بلدة بئر انزران وهضبة‮ “‬ميجك‮” ‬الواقعة أصلا في‮ ‬الجزء العائد لموريطانيا،‮ ‬وعلل طرحه برغبته في‮ ‬إعطاء مكافأة صغيرة للجيش المغربي‮ ‬الشديد التعلق بالداخلة،‮ ‬لا سيما وأن منطقة بئرر انزران و”ميجك‮” ‬ذات أهمية استراتيجية مؤكدة بوصفها معبرا هاما بين جزأي‮ ‬الصحراء‮ … ‬وهذا ما قبل به وولد داداه تفاديا للمزيد من شد الحبل كما قال في‮ ‬مذكراته،‮ ‬حيث وقعا في‮ ‬دجنبر‮ ‬1974‮ ‬اتفاقية تقسيم الصحراء،‮ ‬وهو الاتفاق الذي‮ ‬ارتأى الطرفان أن‮ ‬يظل سريا حتى نهاية مسار تصفية الاستعمار من تلك الأراضي‮.‬

وفي‮ ‬خريف‮ ‬1975‮ ‬بمراكش،‮ ‬التقى ولد داداه بالحسن الثاني‮ ‬ثلاث مرات لاستعراض القضية المعروضة أمام محكمة العدل الدولية ومفاوضات مدريد الثلاثية بين المغرب وموريطانيا وإسبانيا،‮ ‬وأوشكت هذه المفاوضات أكثر من مرة أن تفشل بفعل المماطلات الإسبانية،‮ ‬وتطاول مرض الجينرال فرانكو وخاصة احتضاره اللامتناهي،‮ ‬وخلال أحد تلك اللقاءات في‮ ‬أكتوبر‮ ‬1975‮ ‬بمراكش،‮ ‬أخبر‮ ‬الملك الرئيس بمشروعه السري‮ ‬بتنظيم المسيرة الخضراء وشرح له الأسباب والنتائج السياسية والديبلوماسية المتوخاة منها،‮ ‬واقترح عليه تنظيم مسيرة خضراء موريطانية أو المشاركة الرمزية في‮ ‬المسيرة الخضراء‮ … ‬فرفض الرئيس الموريطاني‮ ‬هذا العرض وشرح الأسباب،‮ ‬فكانت اللقاءات الأخيرة بين الطرفين خصوصا بعد الحرب التي‮ ‬شنتها الجزائر على مورطانيا بواسطة مرتزقة البوليساريو،‮ ‬حيث كان آخر لقاء في‮ ‬ماي‮‬1978،‮ ‬شهرين قبل الإطاحة به في‮ ‬يوليوز‮ ‬1978‮ ‬في‮ ‬انقلاب عسكري‮.‬

إن الاتفاقية السرية التي‮ ‬أبرمها الحسن الثاني‮ ‬والمختار ولد داداه كان لها أثرها في‮ ‬ما بعد على العلاقات المغربية الجزائرية،‮ ‬حيث توقفت هذه العلاقات مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي،‮ ‬وقد كان السبب في‮ ‬ذلك انسحاب جزائر بومدين من المحادثات الثلاثية بشأن الصحراء في‮ ‬عام‮ ‬1970‮ ‬ببواذيبو،‮ ‬وقد كان بومدين‮ ‬يود أن‮ ‬ينسحب ولد داداه من هذه المفاوضات مع المغرب بعدما انسحبت الجزائر،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتمكن‮ ‬من إقناع الرئيس الموريطاني‮ : “‬أعترف لك‮ ‬‭-‬يقول بومدين لولد داداه‭-‬‮ ‬أنني‮ ‬لم أكن أظن أن موريطانيا ستمضي‮ ‬في‮ ‬مفاوضاتها مع المغرب في‮ ‬غياب الجزائر،‮ ‬والآن وقد حصل ذلك،‮ ‬فإنني‮ ‬أرجو لكم حظا سعيدا،‮ ‬ولكن احذروا المغاربة،‮ ‬فهم قادرون تماما على‭ ‬‮”‬خذاعكم‮” ‬لأنكم أصبحتم من الآن تفاوضونهم وجها لوجه‮…”.‬

في‮ ‬بداية شهر‮ ‬يونيو‮ ‬1975،‮ ‬بلغ‮ ‬التوتر بين المغرب والجزائر ذروته،‮ ‬فقد كان بومدين الذي‮ ‬التقاه المختار ولد داداه شديد التوتر ويتلفظ بألفاظ‮ ‬غير ديبلوماسية‮ :‬‭ ‬‮”‬لقد بلغ‮ ‬السيل الزبى من طرف الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ … ‬والذي‮ … ‬فأنا شخصيا قد‮ ‬غدوت ضحية لحملة شديدة القسوة من طرف الصحافة المغربية،‮ ‬وقد نشرت هذه الأخيرة صورة كاريكاتورية سيئة عني‮ ‬تبرزني‮ ‬بالزي‮ ‬العسكري‮ ‬وتظهرني‮ ‬كتوسعي‮ ‬وامبريالي‮… ‬إلخ،‮ ‬وأنا لن أتحمل طويلا شتائم هذه الحملة التي‮ ‬ينظمها بكل عناية الحسن الثاني‮ ‬وأعوانه المقربون،‮ ‬فأنا مازلت حتى الآن أمنع الصحافة الجزائرية والإذاعة والتلفزة من الرد بالمثل،‮ ‬غير أنني‮ ‬لن أستمر في‮ ‬إلجامها عن الرد على وسائل الإعلام المغربية إن لم تتوقف مباشرة حملتها المغرضة ضد الشعب الجزائري‮ ‬وضدي‮ ‬شخصيا‮”.‬

في‮ ‬هذا اللقاء،‮ ‬حدث بومدين المختار ولد داده لأول مرة عن جبهة التحرير الصحراوية علنية‮ :‬‭ ‬‮”… ‬بنو عمك الذين كونوا‮ “‬جبهة للتحرير‮” ‬في‮ ‬موريطانيا،‮ ‬قد أصبحوا‮ ‬يقيمون في‮ ‬الجزائر منذ فترة،‮ ‬ونحن نقدم لهم كثيرا من العون وهم‮ ‬يستعدون لكل الاحتمالات‮… ‬إلخ‮” … “‬وأن الوضع متفجر على‭ ‬طول الحدود مع المغرب والصحراء المسماة بالإسبانية،‮ ‬وجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي‮ ‬الذهب مستعدة بدورها للرد،‮ ‬إذ أن الحسن الثاني‮ ‬قد حشد قواته على‭ ‬طول الحدود نفسها،‮ ‬وهو‮ ‬يخطط لمهاجمة الجزائر واجتياح الصحراء بالتعاون مع أصدقائه في‮ ‬الحكومة الإسبانية وبمباركة من الأمريكيين والفرنسيين‮. ‬لهذا،‮ ‬فإن الجيش الجزائري‮ ‬على‭ ‬أهبة الاستعداد،‮ ‬فنحن لن نترك الحسن الثاني‮ ‬المدعوم من الإمبريالية الغربية‮ ‬يعيد ضربة أكتوبر‮ ‬1963،‮ ‬حين انتهز الضعف المؤقت للجزائر الخارجة لتوها من سبع سنوات من الحرب الضروس مع جيش الاحتلال الفرنسي،‮ ‬فطعنها في‮ ‬الظهر،‮ ‬والشعب الجزائري‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينسى ذلك العدوان،‮ ‬كما لن‮ ‬ينسى أن الحسن الثاني‮ ‬هو الذي‮ ‬فرض على‭ ‬أبيه‮ ‬‭-‬‮ ‬ذلك الرجل المحترم‮ ‬‭-‬‮ ‬أن‮ ‬يمارس ضغوطاً‮ ‬على‭ ‬الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية لتقبل التنازل عن جزء من أراضيها،‮ ‬جزء‭ ‬كان دائما‮ ‬يريد ضمه إلى‭ ‬المغرب‮… ‬وتعلم أكثر من‮ ‬غيرك أن اجتياح موريطانيا وضمها إلى‭ ‬المغرب‮ ‬يشكل إحدى‭ ‬مراحل هذا الحلم،‮ ‬وبما أن الفرنسيين قد منعوه من اجتياح موريطانيا من الشمال،‮ ‬فقد طلب من أول حكومة للجزائر المستقلة أن تترك جيوشه تعبر من تيندوف لاجتياح موريطانيا،‮ ‬وقد كان بن بلة مستعداً‮ ‬للموافقة،‮ ‬غير أنني‮ ‬بوصفي‮ ‬نائبا للرئيس ووزيرا للدفاع،‮ ‬رفضنا بصورة قاطعة هذا المشروع الذي‮ ‬لن‮ ‬يكون مدمرا لموريطانيا وحدها،‮ ‬ولكن للجزائر أيضا‮ … ‬وكانت هذه بعض أسباب الخلاف بيننا،‮ ‬أنا وبن بلة،‮ ‬والتي‭ ‬آلت إلى‭ ‬إحصائه من قيادة الدولة الجزائرية‮…”.‬

وقد رد المختار ولد داداه،،‮ ‬أنه إذا كان لا‮ ‬يرضى من عدم مصادقة المغرب على اتفاقيات الرباط‮ ‬1972،‮ ‬فإن ملك المغرب بدوره لا‮ ‬يرضى عن كونه‮ ‬يؤوي‮ ‬وينظم حركة مسلحة معادية للمغرب ولمشاريع إعادة توحيد وطنه في‮ ‬الصحراء المسماة بالإسبانية،‮ ‬فأجابه الرئيس‮ ‬بومدين‮ :‬‭ ‬‮”… ‬أعرف تلك الأغنية التي‮ ‬يرددها الحسن الثاني‮ ‬على‭ ‬مسامع من‮ ‬يصغي‮ ‬إليه،‮ ‬إنه‮ ‬يريد إبرام صفقة معي‮ ‬تقضي‮ ‬بأن أتخلى عن البوليساريو مقابل تصديقه على اتفاقية ترسيم الحدود‮ ! ‬غير أنني‮ ‬لن أبرم معه أي‮ ‬صفقة لسببين اثنين،‮ ‬أولهما أن لا شيء‮ ‬يضمن لي‮ ‬أنه سيحترم هذا التعهد مادام لم‮ ‬يحترم تعهده السابق،‮ ‬وثانيهما أن إيواء البوليساريو ومساعدتها على‭ ‬تحرير وطنها نابع من مبدإ ثابت في‮ ‬السياسة الجزائرية هو مبدأ دعم كافة حركات التحرر التي‮ ‬تناضل من أجل استقلال بلدانها‮”.‬

ويستخلص ولد داداه من هذا الحوار الثنائي‮ ‬الذي‮ ‬دام أكثر من‮ ‬7‮ ‬ساعات خلال‮ ‬يوم واحد،‮ ‬أنه مقتنع بأنه لو صادق ملك المغرب على اتفاقية الرباط في‮ ‬1973‮ ‬أو‮ ‬1974‮ ‬ما كان للرئيس الجزائري‮ ‬ليشجع إنشاء‭ ‬حركة البوليساريو كإجراء‭ ‬انتقامي‮ ‬من المغرب،‮ ‬وما كانت حرب الصحراء لتقع،‮ ‬بل كانت اتفاقية التقسيم الحل النهائي‮ ‬لهذا المعضل لكن‭ ‬‮”‬وما تشاؤون إلا أن‮ ‬يشاء الله‮” ‬يقول ولد داداه‮.‬

لقد حاول الرئس الموريطاني‮ ‬‭-‬‮ ‬حسب ما‮ ‬يحكيه في‮ ‬مذكراته‮ ‬‭-‬‮ ‬أن‮ ‬يخفض من حدة التوتر الذي‮ ‬بلغ‮ ‬ذروته بين الملك المغربي‮ ‬والرئيس الجزائري،‮ ‬فحاول أن‮ ‬يتسلم من مضيفه بومدين ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يبلغه للحسن الثاني،‮ ‬لكن هذا الأخير ردَّ‮ ‬غاضبا‮ : “… ‬لا أحملك أي‮ ‬رسالة إليه،‮ ‬فليس لدي‮ ‬ما أقوله،‮ ‬غير أنه‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يعلم أنه إذا ظل‮ ‬يتحداني‮ ‬فسوف أرفع التحدي‮…”.‬

من بشار التي‮ ‬التقى فيها الرئيس الجزائري،‮ ‬إلى‭ ‬العاصمة الرباط حيث كان الملك الحسن الثاني‮ ‬هادئ البال،‮ ‬فأخبره بالامتعاض الشديد الذي‮ ‬يحسن به بومدين جراء‭ ‬حملة الصحافة المغربية،‮ ‬فكان‮ ‬رد الملك كالتالي‮ : “… ‬إنها حملة تشنها صحافة المعارضة ولا سلطة لي‮ ‬عليها،‮ ‬ثم إن الشعب المغربي‮ ‬عموما،‮ ‬والنخبة السياسية منه خصوصا،‮ ‬غاضب جدا من عدم عرفان الجزائريين بالجميل،‮ ‬وبومدين منهم بالذات،‮ ‬فلا أحد في‮ ‬المغرب‮ ‬ينسى التضحيات التي‮ ‬قدمت لدعم المحاربين الجزائريين ومساعدتهم،‮ ‬ولا العدد الكبير الذي‮ ‬مات من المغاربة على‭ ‬طول الحدود المشتركة بين البلدين من أجل القضية الجزائرية‮ … ‬وعندما‮ ‬يتذكر المغاربة كل ذلك،‮ ‬ويعلمون أن بومدين نفسه بدأ‮ ‬ينظم ما‮ ‬يسميه حركة مسلحة صحراوية لا لمنع استعادة الأراضي‮ ‬المغربية التي‮ ‬كانت قد اغتصبتها إسبانيا فحسب،‮ ‬بل ليحارب بها أيضا المغرب بدعم من الجيش الجزائري،‮ ‬فإن هؤلاء المغاربة عندما‮ ‬يعلمون كل ذلك،‮ ‬سيخرجهم الغضب عن رشدهم‮…”.‬
ثم أضاف الملك‮ :‬‭ ‬‮”‬لقد أخبرتكم منذ أكثر من سنة أن بومدين لم‮ ‬يكن في‮ ‬يوم من الأيام وفيا معي،‮ ‬وهو‮ ‬يريد بهيمنته أن‮ ‬يمنع المغرب من استعادة أقاليمه الصحراوية التي‮ ‬كانت تحت الاحتلال الإسباني،‮ ‬ونظرا لمعاداته المغرب،‮ ‬فإنه‮ ‬يفضل الإبقاء على‭ ‬الاستعمار الإسباني‮ ‬في‮ ‬الصحراء بدلا من تحقيق المغرب لوحدته الترابية،‮ ‬وهو أمر مغاير لتصريحاته المناهضة للاستعمار،‮ ‬غير أنه لا‮ ‬يستطيع الفكاك من عدائه المتأصل لبلادي،‮ ‬إنكم لم تصدقوا ما قلت لكم منذ أكثر من سنتين حين أخبرتكم أن بومدين‮ ‬يعمل على‭ ‬إنشاء‭ ‬حركة سيسميها‮ “‬حركة تحرير الصحراء‮” ‬بثمالؤ مع ليبيا واعتماداً‮ ‬على‭ ‬وسائلها المالية للحيلولة دون تنفيذ اتفاقنا الثنائي‮… ‬وإذا سمحتم،‮ ‬فسأنظم لقاء‭ ‬بينكم وبين قادة التنظيمات السياسية في‮ ‬المملكة،‮ ‬فإنه سيخبرونكم جميعا بأن موقف بومدين وعداءه المتأصل للمغرب قد فاجأهم وأغضبهم وترك أثرا سيئا في‮ ‬نفوسهم‮…”.‬

إن الأهم في‮ ‬هذا اللقاء‭ ‬الطويل الذي‮ ‬جمع الملك بالرئيس الموريطاني‮ ‬هو تلك الرسالة السياسية التي‮ ‬حاول الحسن الثاني‮ ‬إيصالها إلى‭ ‬بومدين عبر ولد داده‮ “‬سيد المساعي‮” ‬الوحيد بين الوحيد بين الملك والرئيس‮.‬
‮ ‬فقد كان الملك‮ ‬يحس بأن بومدين لا‮ ‬يعامله بنفس المعاملة،‮ ‬خصوصا على‭ ‬مستوى‭ ‬البعثات الديبلوماسية التي‮ ‬بعث بها الملك لبومدين عشرات المرات دون أن‮ ‬يردَّ‭ ‬عليها بومدين بالمثل،‮ ‬ثم إن الحسن الثاني‮ ‬كان متذمرا من اعتبار ما تقوم به الجزائر بالصحراء‭ ‬وكأنه شبيه بما تقوم به أمريكا في‮ ‬الڤيتنام‮ :‬‭ ‬‮”… ‬وهذا الأمر‮ ‬يؤلمني‮ ‬إيلاما لا حد له‮… ‬فكيف له أن‮ ‬يقارن بين حركات تحرر تحارب بشرف وصدق ضد الإمبريالية والاستعمار ونظام لابارتايد،‮ ‬بما‮ ‬يدعوه حركة تحرر أنشأها بنفسه لمحاربة المغرب ومنعه من تحقيق وحدة أراضيه؟‮” ‬يتساءل الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ ‬بدا متأثرا بالفعل على‭ ‬حد قول ولد داده‮.‬

وفي‮ ‬الطريق إلى المطار،‮ ‬أخبر الحسن الثاني‮ ‬ضيفه الرئيس الموريطاني‮ ‬أنه أمر بمصادرة عدد هذا الصباح من جريدة‮ “‬الرأي‮” ‬الذي‮ ‬تضمن بالفعل هجوما عنيفا على‭ ‬الجزائر ورئيسها كي‮ ‬يكون مرور ولد داداه بالجزائر مثمرا،‮ ‬ولإعطاء‭ ‬دليل على‭ ‬حسن نيته‮ :‬‭ ‬‮”… ‬وأتوقع ردود فعل عنيفة لا من حزب الاستقلال وحده،‮ ‬وإنما من كل المعارضة المجمعة على‭ ‬امتعاضها من الجزائر ورئيسها،‮ ‬ولكنني‮ ‬سأواجه ذلك شريطة أن‮ ‬يبدي‮ ‬بومدين بعض حسن النية هو الآخر‮”‬،‮ ‬فكيف كان رد بومدين أثناء‭ ‬لقاءه بولد داداه؟
لقد اعترف بداية أنه أخطأ عندما لم‮ ‬يكن‮ ‬يرد زيارات البعثات الديبلوماسية بمثلها من القادة الجزائريين،‮ ‬وصحح هذا الخطأ عندما أرسل عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية آنذاك للقاء الحسن الثاني،‮ ‬ويضيف الرئيس الموريطاني،‮ ‬أن اللقاء الذي‮ ‬جمع بوتفليقة بملك المغرب كان مهما وأثمر إصدار بيان مشترك اختيرت كلماته بعناية ودقة،‮ ‬لدرجة أن بوتفليقة كان‮ ‬يتصل بالرئيس بومدين لإخباره بكل جديد في‮ ‬شأن البيان،‮ ‬وقد أشار البيان،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬إلى‭ ‬عدم وجود أي‮ ‬أطماع للجزائر في‮ ‬الصحراء الغربية والعمل على‭ ‬تعزيز أسس التعاون بالمغرب العربي‮…

لكنه في‮ ‬صيف‮ ‬1975‮ ‬عاد التوتر ليصبح السمة الغالبة على‭ ‬العلاقات الثنائية بين الجارين وبصفة جذرية،‮ ‬حيث هاجم رئيس الوفد الجزائري‮ ‬موريطانيا أثناء‭ ‬اجتماع وزراء الخارجية بالعاصمة الأوغندية لإعداد قمة منظمة الوحدة الإفريقية،‮ ‬وقد تفاجأ الجميع من هذا الهجوم الذي‮ ‬كان‮ ‬يوجه عادة للمغرب،‮ ‬واتهم موريطانيا بتنكرها لمواقفها من الصحراء الخاضعة للاستعمار الإسباني‮.‬

وتلا هذا الهجوم العنيف،‮ ‬إمعان الرئيس الجزائري‮ ‬في‮ ‬عدم استقبال ولد داداه‮ ‬‭-‬كما جرت العادة والعرف‭-‬‮ ‬على هامش‭ ‬انعقاد القمة في‮ ‬شهر‮ ‬غشت‮ ‬1975،‮ ‬لكن هذا لم‮ ‬يمنع من دعوة بومدين الرئيس الموريطاني‮ ‬للقاء به في‮ ‬شهر نونبر من نفس السنة ببشار،‮ ‬حيث دامت النقاشات التي‮ ‬كانت ثنائية عدة ساعات وهذا أهم ما جرى فيها‮.‬

لقد اتهم بومدين الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ ‬يمارس أعمال الهدم في‮ ‬العلاقة بين موريطانيا والجزائر،‮ ‬و تلا عرضا مطولا عن النزعة التوسعية للمغرب في‮ ‬المنطقة،‮ ‬ثم لام موريطانيا التي‮ ‬ترغب في‮ ‬توقيع اتفاقية في‮ ‬مدريد لتقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا،‮ ‬كما‮ ‬يقتسم قطيع من الغنم أو الإبل،‮ ‬واعتبر أن موريطانيا‮ ‬غيرت من موقفها بخصوص حق تقرير مصير الشعب الصحراوي‮ … ‬فكان أن رد ولد داداه أن الاتفاق الذي‮ ‬يناقش في‮ ‬مدريد ليس سوى‭ ‬تجسيد وترسيم للاتفاق الذي‮ ‬سبق أن باركه وتبناه مرتين في‮ ‬الرباط،‮ ‬أولاهما في‮ ‬يونيو‮ ‬1972،‮ ‬وثانيهما في‮ ‬أكتوبر‮ ‬1974‮ ‬أمام جميع رؤساء الدول الأعضاء‭ ‬في‮ ‬الجامعة العربية‮.‬

أما بخصوص تقرير المصير،‮ ‬فقد أوضح ولد داداه أنه طالما ساند هذا المبدأ،‮ ‬غير أن تطبيقه لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يشمل‮ ‬غير الصحراويين الأصليين،‮ ‬وأن تطبيق هذا المبدأ‮ ‬يجد مشاكل قوية،‮ ‬ثم إن الاتفاق الثلاثي‮ ‬الذي‮ ‬يتم التفاوض بشأنه في‮ ‬مدريد‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتضمن شكلا مناسبا من أشكال استشارة السكان وأخذ رأيهم في‮ ‬نهاية المطاف‮…‬

وعلى الرغم من ذلك،‮ ‬فقد أصر بومدين أن تنسحب موريطانيا من مفاوضات مدريد وألا‮ ‬يوقع بالتالي‮ ‬تلك الاتفاقية التي‮ ‬يجري‮ ‬إعدادها،‮ ‬وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة بالنسبة لموريطانيا ولولد داداه‮…‬

 

وعلى الرغم من هذا التهديد المبطن،‮ ‬فقد تابع بومدين قائلا‮ :‬‭ ‬‮”‬إحذر‮ ‬يا مختار‮ ! ‬فموريطانيا بلد هش لديه مشاكل داخلية خطيرة،‮ ‬وحدود تمتد آلاف‮ ‬الكيلومترات‮ ‬لا‮ ‬يمكنها أن تحميها بنفسها في‮ ‬حالة حدوث نزاع مسلح،‮ ‬ومصلحتها إذن في‮ ‬أن تبقى حيادية وتتابع لعب دورها الديبلوماسي‮ ‬البالغ‮ ‬الأهمية بين الجنوب والشمال،‮ ‬ذلك الدور الذي‮ ‬لا‮ ‬يتناسب بالمرة مع وزنها الخاص،‮ ‬وإذا كانت ماتزال تخشى بحق من النزعة التوسعية المغربية،‮ ‬فبوسعها أن تعول على الجزائر لمساعدتها في‮ ‬الدفاع عن نفسها،‮ ‬ومهما‮ ‬يكن من أمر،‮ ‬فإنه لا‮ ‬ينبغي‮ ‬لها أن تسمح للمغرب بجرها إلى‭ ‬مغامرة قد تكون ضحيتها الأولى‭ ‬مادامت الحلقة الأضعف في‮ ‬المنطقة‮. ‬وعلى‭ ‬أي‮ ‬حال،‮ ‬فإن الجزائر لن تقبل أبدا تحقق ذلك المخطط الميكافيلي‮ ‬الذي‮ ‬يعد له الحسن الثاني‮ ‬بشبه تواطؤ مع إسبانيا الاستعمارية الفاشية،‮ ‬ولن تفرط أبدا في‮ ‬مصير الشعب الصحراوي‮ ‬الذي‮ ‬يكافح من أجل استقلاله،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يكن ذلك كافيا فإنها ستلجأ إلى‭ ‬التضامن الثوري‮ ‬العالمي‮ ‬لجمع‮ ‬50‮ ‬أو‮ ‬ 60‮ ‬ بل و100‮ ‬ألف مقاتل من أجل الحرية لمنع المغرب من سحق الشعب الصحراوي‮ ‬دون رحمة واستعمار وطنه‮”..

وزير مغربي يكشف اسرار المفاوضات السرية بين ولد داداه والحسن الثاني

سبق ونشرت اقلام هذا المقال في 2009 ونعيد نشره بمناسبة ذكرى الانقلاب على نظام المختار ولد داداه

الأربعاء 10-07-2019| 16:00

بقلم: الوزير المغربي الراحل العربي المساري

لم‮ ‬يتنازل المختار ولد داداه وهو أول رئيس لموريتانيا عن مطالبه في‮ ‬الحصول على جزء من الأراضي‮ ‬التي‮ ‬كانت تحتلها إسبانيا،‮ ‬وقد قضى عشرات جلسات المفاوضات الساخنة وجها لوجه مع الملك الحسن الثاني‮ ‬للاتفاق على الحدود المغربية الموريتانية بعد انسحاب إسبانيا،‮ ‬وكان أن تم ذلك سريا في‮ ‬سنة ‮‬1972،‮ ‬وانتظر ولد داداه مصادقة الحسن الثاني‮ ‬على الاتفاقية التي‮ ‬حضر توقيعها الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين،‮ ‬لكن الملك كان‮ ‬يقدم مبرراته في‮ ‬تأجيل المصادقة،‮ ‬منها ما‮ ‬يتعلق بالأوضاع الداخلية للمملكة التي‮ ‬عاشت انقلابين متتالين،‮ ‬ومنها التي‮ ‬أخبره بها في‮ ‬ما بعد وتتعلق بالحرب الخفية مع جزائر بومدين‮.‬

‮”‬لا للمغرب‭ !‬‮ ‬فقد كنا موريتانيين،‮ ‬ونحن اليوم موريتانيون،‮ ‬وسنظل موريتانيين‮”. ‬إنها واحدة من الشعارات الساخنة التي‮ ‬ظلت تحكم قادة الجارة الجنوبية حتى قبل استقلالها مع بداية الستينيات من القرن الماضي،‮ ‬ومن ضمن هؤلاء القادة الموريتانيين المختار ولد داداه الذي‮ ‬انتخب رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية في‮ ‬ماي‮ ‬1961،‮ ‬وأعيد انتخابه في‮ ‬هذا المنصب ثلاث مرات قبل أن‮ ‬يطيح به انقلاب عسكري‮ ‬في‮ ‬يوليو ‬1978‮.‬

لقد كان المغرب‮ ‬يطالب بعودة موريتانيا إلى الوطن الأم،‮ ‬وكان القادة الموريتانيون على نقيض من هذه المطالب التي‮ ‬أصر الملك محمد الخامس على التشبث بها وشرحها لمختلف دول العالم،‮ ‬حيث كان ملك المغرب مقتنعا بأن موريتانيا كانت إحدى المحافظات المغربية وقد اقتطعها الاستعمار الفرنسي‮ ‬من وطنها الأم‮ ‬غداة استقلال المملكة‮.‬

وعلى الرغم من المحاولات التي‮ ‬قام بها الملك محمد الخامس من اتصالات علنية مع قادة الدول الإفريقية والعربية من خلال عشرات وفود الوزراء والسفراء،‮ ‬أو من خلال اتصالات الوساطة السرية التي‮ ‬لعب فيها زعماء سياسيون مغاربة وأجانب دورا خاصا،‮ ‬فقد ظل ولد داداه ورفاقه في‮ ‬القيادة الموريتانية متشبثين بأحقية الأراضي‮ ‬الصحراوية التي‮ ‬كانت محتلة من طرف الاستعمار الإسباني‮ ‬والفرنسي‮ ‬على حد سواء‮.‬

وكانت أولى اللقاءات الرسمية التي‮ ‬تمت بين الرئيس الموريتاني‮ ‬والجانب المغربي،‮ ‬مع عبد الرحيم بوعبيد وزير الدولة المكلف بالشؤون الاقتصادية في‮ ‬يوليوز‮ ‬1957‮ :”‬وعلى الرغم من تعارض موقفينا تماما،‮ ‬فقد كان اللقاء وديا،‮ ‬وكان الهدف منه أن‮ ‬يُطلع كل منا الآخر مباشرة وبشكل صريح لا لبس فيه على موقف بلده من مطالبة المغرب بموريتانيا‮”.‬

لقد كان المغرب في‮ ‬موقع قوة من خلال مطالبته بموريتانيا،‮ ‬بالنظر إلى خارطة الحدود الملغومة التي‮ ‬تركها الاستعمار،‮ ‬وزاد في‮ ‬هذا الموقع المؤثر للطرف المغربي،‮ ‬انضمام شخصيات موريتانية إلى المغرب،‮ ‬غير أن رفاق ولد داداه كانوا‮ ‬يحسون بذلك الدعم الهائل من طرف فرنسا‮ : “‬لقد كان من الواجب،‮ ‬ونحن نعد العدة لاستقبال الاستقلال المنتظر،‮ ‬أن نقاوم دعاوى المغرب،‮ ‬وسندنا الأساس في‮ ‬ذلك فرنسا‮…”.‬

فقد أصبح ولد داداه ورفاقه‮ ‬يحسون بنوع من العزلة التي‮ ‬لا تكسر طوقها‮ ‬غير فرنسا الحليفة،‮ ‬خصوصا بعدما بدأ بعض الزعماء الموريطانيين‮ ‬يلتحقون بالفكرة المغربية،‮ ‬حيث كان عليه أن‮ ‬يهتم بالوحدة السياسية الداخلية للأحزاب والقبائل والعشائر فعقد مؤتمر الوحدة بين الأحزاب السياسية الموريطانية للشروع في‮ ‬بناء الأمة والدولة الموحدتين،‮ ‬وكان من بين الحاضرين في‮ ‬مؤتمر الوحدة الذي‮ ‬انعقد في‮ ‬ماي‮ ‬1958‮ ‬وفود من‮ “‬موريطانيا الإسبانية‮” ‬أي‮ ‬الصحراء التي‮ ‬كانت تحتلها إسبانيا،‮ ‬بقيادة خطري‮ ‬ولد سعيد الجماني‮ ‬رئيس البيهات،‮ ‬قبل أن‮ ‬يصبح من الزعماء الصحراويين المغاربة،‮ ‬والذي‮ ‬عاد لزيارة ولد داداه في‮ ‬نواكشوط سنة‮ ‬1962‮ ‬وبقي‮ ‬على اتصال به عن طريق بعض الوسطاء حتى سنة‮ ‬1975،‮ ‬وظل حتى ذلك التاريخ،‮ ‬رغم صلاته بالمغرب والجزائر،‮ ‬يعترف بموريطانية الصحراء التي‮ ‬تحتلها إسبانيا‮. ‬

ولا‮ ‬يخفي‮ ‬ولد داداه العلاقات الوطيدة والإستراتيجية التي‮ ‬كانت تربط بين موريطانيا وهي‮ ‬المقبلة على استقلالها الداخلي‮ ‬ثم الوطني،‮ ‬وبين الجمهورية الفرنسية،‮ ‬فلولاها لما تمكنت موريطانيا من الحصول على استقلالها،‮ ‬ومن الشروع في‮ ‬بناء اقتصادها عكس ما جرى بين فرنسا والمغرب،‮ ‬وهذا مثال واحد فقط‮ : “‬كانت شركة معادن حديد موريطانيا‮ “‬ميفرما‮” ‬قد أُنشئت سنة‮ ‬1952،‮ ‬ولكن ضخامة المبالغ‮ ‬التي‮ ‬يلزم توفيرها للبدء بالاستغلال حالت دون الشروع في‮ ‬التنفيذ،‮ ‬وهكذا لم تتمكن‮ “‬ميفرما‮” ‬من الانطلاق في‮ ‬عملها قبل الشروع في‮ ‬تنفيذ القانون الإطاري‮ ‬لسنة‮ ‬1957،‮ ‬وبما أن المساهمين لم‮ ‬يتمكنوا بمفردهم من توفير الأموال الضرورية لبدء العمل،‮ ‬فقد طلبوا قرضا بمبلغ‮ ‬سبعين مليون دولار من البنك الدولي‮ ‬لإعادة الإعمار والتنمية،‮ ‬وأدت ضخامة المبلغ‮ ‬والتطورات التي‮ ‬تعيشها أقاليم ما وراء البحار الخاضعة للنفوذ الفرنسي‮ ‬ومنها موريطانيا إلى تأخير هذا الملف فبقي‮ ‬يترنح في‮ ‬مكاتب البنك الدولي،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الوقت دخل عنصر جديد ذو طابع دبلوماسي‮ ‬زاد الطين بلة وهو مطالبة المغرب بموريطانيا،‮ ‬وقد أراد المغرب وهو عضو في‮ ‬البنك الدولي‮ ‬أن‮ ‬يمنع موريطانيا من الحصول على هذا القرض،‮ ‬وساندتها في‮ ‬ذلك بعض الدول الحليفة لها،‮ ‬وأعلن على الملأ ادعاءها بأن موريطانيا جزء لا‮ ‬يتجزأ من الأراضي‮ ‬المغربية ويحاول الاستعمار الفرنسي‮ ‬اقتطاعها ليقيم فيها نظاما صوريا‮ ‬يجند لتحقيق مآرب فرنسا‮ … ‬ورغم موقف المغرب وأنصاره،‮ ‬وافق البنك الدولي‮ ‬مبدئيا على القرض الذي‮ ‬سيمنح للشركة بشرط أن‮ ‬يكون مضمونا من لدن فرنسا وموريطانيا‮…”.‬

لقد كانت العلاقات بين المملكة في‮ ‬عهد الملك محمد الخامس والدول الإفريقية والعربية على وجه الخصوص طيبة للغاية،‮ ‬وهذا ما ساعدها على إقناع دول أجنبية عديدة بأحقية المغرب بموريطانيا،‮ ‬وهذا ما حدث بين محمد الخامس والرئيس المالي‮ “‬موديبو كيتا‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬ساند المغرب في‮ ‬إمكانية تقسيم الصحراء المتنازع عليها إلى جزء شرقي‮ ‬لمالي‮ ‬وجنوبي‮ ‬للسينغال والباقي‮ ‬للمغرب،‮ ‬وهو المشروع الذي‮ ‬سماه ولد داداه بالشيطاني‮.‬

ومع بداية سنة‮ ‬1960،‮ ‬أصبح المغرب أشد تشبثا بدعواه بانضمام الأراضي‮ ‬الموريطانية إلى حظيرة الوطن وكثف جهوده الديبلوماسية شيئا فشيئا مع اقتراب موعد استقلال موريطانيا،‮ ‬حيث قام محمد الخامس شخصيا بحملة ديبلوماسية واسعة زار في‮ ‬نطاقها كافة دول المشرق العربي‮ ‬تقريبا،‮ ‬وضم إلى محيطه الشخصيات الموريطانية الرئيسة التي‮ ‬لجأت إلى المغرب،‮ ‬ويعتبر حضورها أكبر دليل على وجاهة المطالب المغربية في‮ ‬موريطانيا،‮ ‬وكان من نتيجة هذه الحملة أن اعترفت كافة الدول بالطابع المغربي‮ ‬لموريطانيا،‮ ‬وكان الشيء الأكثر بروزا هو القرار الذي‮ ‬تم تبنيه في‮ ‬مؤتمر‮ “‬شتورة‮” ‬بلبنان حيث أصدرت اللجنة السياسية للجامعة العربية توصية بـ”مساندة المغرب‮ ‬في‮ ‬مطالبته باستعادة موريطانيا بوصفها جزءا لا‮ ‬يتجزأ من أراضيه،‮ ‬ودعمها لموقف المغرب في‮ ‬الأمم المتحدة‮”.‬

لقد اتسمت العلاقة بين موريطانيا والمغرب حسب ولد داداه بالتوتر والعداء خلال فترة الستينيات،‮ ‬لدرجة أن طالب المغرب في‮ ‬عهد الملك محمد الخامس بإدراج القضية الموريطانية في‮ ‬جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة،‮ ‬وأرسل بعثات جابت أرجاء العالم ليعرض وجهة نظره‮ … ‬غير أن هذا المنطق في‮ ‬المطالبة بموريطانيا شهد تغيرا في‮ ‬عهد الملك الحسن الثاني،‮ ‬ولربما قبل أن‮ ‬يصبح مولاي‮ ‬الحسن ملكا،‮ ‬وكان أول موقف عبر عنه ولي‮ ‬العهد آنذاك وهو نائب رئيس الحكومة لجريدة‮ “‬لوموند‮” ‬الفرنسية في‮ ‬يونيو‮ ‬1960‮ : “‬ليس من مصلحة المغرب أن‮ ‬يحكم موريطانيا قواد‮ ‬caids‮ ‬مغاربة،‮ ‬وأملنا أن نوفق إلى تحقيق نوع من الشراكة التي‮ ‬تقام بين دولة وأخرى‭ !‬‮” ‬فرد ولد داداه‮ :”‬لأول مرة،‮ ‬تتحدث شخصية مغربية سامية عن موريطانيا كدولة‮”.‬

الأكثر من ذلك،‮ ‬فقد علق الحسن الثاني‮ ‬على طلب إدراج القضية الموريطانية في‮ ‬جدول أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقوله‮ : “‬ليس لدي‮ ‬كبير أمل في‮ ‬أن تحل الأمم المتحدة المسألة الموريطانية،‮ ‬وأرى أن المشكلة الموريطانية تعني‮ ‬أولا وقبل كل شيء أبناء موريطانيا أنفسهم‮”، ‬وبعد أيام قليلة وصل مولاي‮ ‬الحسن إلى نيويورك ليقوم بالدفاع أمام أكبر هيئة دولية عن الملف الذي‮ ‬تقدم به المغرب فأعلن من جديد‮ : “‬إننا لم نعارض أبدا استقلال موريطانيا من حيث المفهوم أو الفكرة،‮ ‬ولكننا نعارض من‮ ‬يسعون إلى التفرقة ليسودوا،‮ ‬فيقومون بإنشاء دول مصطنعة‮”.‬

وبعد فترة طويلة من هذا التاريخ،‮ ‬التقى الحسن الثاني‮ ‬بولد داداه في‮ ‬شتنبر‮ ‬1969‮ ‬في‮ ‬الرباط بحضور الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين وأخبره بالنقاش الطويل الذي‮ ‬دار بينه وبين والده محمد الخامس بشأن موريطانيا ودخولها الأمم المتحدة بشكل خاص،‮ ‬وعلق الملك قائلا‮ : “‬إن ولي‮ ‬العهد ونائب رئيس الحكومة عليه أن‮ ‬يمتثل لأوامر أبيه الذي‮ ‬هو في‮ ‬الوقت ذاته رئيس حكومته وملكه‮. ‬لقد قمت بالدفاع عن ذلك الملف طاعة لأبي‮ ‬وملكي،‮ ‬ولم أتمكن‮ ‬يومها من إقناع كل المشاركين في‮ ‬الجمعية العامة للأمم المتحدة‮”.‬

لقد عملت الجمهورية الإسلامية الموريطانية على الخروج من الطوق الذي‮ ‬وضعه الملك محمد الخامس عليها،‮ ‬وسارع ولد داداه إلى الحضور في‮ ‬كافة احتفالات إعلان استقلال الدول الإفريقية،‮ ‬وحرص على أن‮ ‬يترأس شخصيا وفود موريطانيا إلى‮ “‬ياوندي‮” ‬و”لومي‮” ‬و”داكار‮” (‬فيدرالية مالي‮) ‬ثم‮ “‬مقاديشيو‮” ‬و”أبيدجان‮” ‬و”لاغوس‮”‬،‮ ‬ثم عمل على الاتصال برؤساء الدول والمسؤولين السامين،‮ ‬وقابل وفودا أجنبية عديدة إفريقية وعربية وأوربية وآسيوية وأمريكية‮ … ‬وقد كانت مواقف الوفود العربية باستثناء الوفد التونسي‮ ‬تتسم دوما بالتحفظ تجاه الموقف الموريطاني‮ :”‬غير أنه اتضح لي‮ ‬أن هذه الوفود كانت تجهل تماما موقفنا،‮ ‬فلم‮ ‬يسمعوا‮ ‬غير وجهة النظر المغربية‮”.‬

وكانت أول مرة‮ ‬يناقش فيها ولد داداه موضوع موريطانيا مع مسؤول عربي‮ ‬في‮ ‬يوليوز‮ ‬1960‮ ‬في‮ “‬مقديشو‮” ‬بالصومال مع محمد فائق مستشار الرئيس جمال عبد الناصر للشؤون الإفريقية،‮ ‬فكانت بداية تغير الموقف المصري‮ ‬من المسألة الموريطانية،‮ ‬تلاه تغير الموقف النيجيري‮ ‬ثم الموقف التونسي‮ ‬حيث أكد له الدكتور الصادق المقدم وزير الشؤون الخارجية‮ : “‬إننا نقف إلى جانبكم بدون شرط،‮ ‬وسيكون لهذه القضية انعكاس كبير على علاقاتنا مع المغرب،‮ ‬ويمكن أن‮ ‬يصل الأمر إلى قطع المملكة المغربية علاقاتها الديبلوماسية معنا،‮ ‬ولكن ذلك لا‮ ‬يهمنا مادمنا مقتنعين بعدالة قضيتكم،‮ ‬وهو ما سنوضحه في‮ ‬الاعتراف باستقلالكم،‮ ‬إن المجاهد الأكبر لا تأخذه في‮ ‬مبادئه لومة لائم‮”.‬

والأكثر من ذلك،‮ ‬فقد بدأت بعض الدول العربية بالاعتراف بالجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬مثل سوريا في‮ ‬سنة‮ ‬1966‮ ‬ثم العراق في‮ ‬1969‮ ‬فلبنان في‮ ‬سنة‮ ‬1971‮ ‬والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت ومصر وقطر‮ … ‬بالإضافة إلى الدول الإفريقية التي‮ ‬كانت إلى جانب موريطانيا في‮ ‬حملتها الدبلوماسية أو الدول التي‮ ‬كانت تدعم بالسلاح مثل ليبيا‮.‬

وعلى وجه العموم،‮ ‬منذ سنة‮ ‬1962،‮ ‬غيرت الرياح اتجاهها في‮ ‬ما‮ ‬يخص الموقف المغربي‮ ‬في‮ ‬عهد الملك الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ ‬بدأ‮ ‬يضاعف اتصالاته الدبلوماسية،‮ ‬حيث طلب بشكل خاص من الجنرال ديغول أن‮ ‬يكون وسيطا بينه وبين ولد داداه،‮ ‬ولربما اختار الحسن الثاني‮ ‬وساطة ديغول نظرا للعلاقة الخاصة التي‮ ‬تربط بين فرنسا وموريطانيا من جهة،‮ ‬وبين رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الجمهورية الموريطانية أيضا،‮ ‬وقد استقبل ديغول ولد داداه في‮ ‬مكتبه الخاص في‮ ‬الزيارة التي‮ ‬قام بها لباريس بين‮ ‬23‮ ‬و26‮ ‬ماي‮ ‬1962،‮ ‬بعد الزيارة التي‮ ‬قام بها الحسن الثاني‮ ‬لديغول‮ ‬يومي‮ ‬10‮ ‬و11‮ ‬من نفس الشهر ونفس السنة‮ : “‬السيد الرئيس‮ ‬‭-‬‮ ‬يقول ديغول لولد داداه‮ ‬‭-‬‮ ‬لقد استقبلت منذ قليل،‮ ‬كما تعلمون ملك المغرب الذي‮ ‬كان على علم بقدومكم إلى باريس في‮ ‬زيارة رسمية،‮ ‬فطلب مني‮ ‬مقابلتي‮ ‬ليحدثني‮ ‬خصوصا عن موريطانيا‮ … ‬وكلفني‮ ‬بأن أُبلغكم برغبته الصادقة في‮ ‬إيجاد حل مناسب‮ ‬يمكنه من التخلص من هذا الإرث المزعج الذي‮ ‬تركه له الفقيد محمد الخامس،‮ ‬وهو‮ ‬يطلب منكم مساعدته في‮ ‬الوصول إلى هذا الحل المنشود،‮ ‬وهو حل‮ ‬يحمل بين ثناياه مصالح الشعبين،‮ ‬ويسمح بإقامة علاقات طبيعية بين بلده وبلدكم على المستويين الداخلي‮ ‬والخارجي،‮ ‬وذلك باعتبار بلدكم بلدا مستقلا كامل السيادة،‮ ‬ولكن هذا الحل‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتخذ شكلا‮ ‬يصون للملك ماء وجهه،‮ ‬وخاصة أمام حزب الاستقلال وزعيمه علال الفاسي،‮ ‬فهذا الحزب وزعيمه لا‮ ‬يرغبان في‮ ‬سماع أي‮ ‬حديث عن الاعتراف بموريطانيا من لدن المغرب،‮ ‬وبما أن الملك على علم بموقفكم فإنه‮ ‬يكتفي‮ ‬باعترافكم بأي‮ ‬شكل من أشكال السيادة الروحية،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يتسن ذلك فإنه‮ ‬يقبل صيغة أخرى‭ ‬مثل الاتحاد بين بلدين مستقلين وكاملي‮ ‬السيادة كما هو حاصل بين‮ ‬غانا وغينيا ومالي‮ …”.‬

وعلى الرغم من العلاقة التي‮ ‬تجمع بين الطرفين،‮ ‬ديغول وولد داداه،‮ ‬وبين البلدين،‮ ‬فرنسا ومورريطانيا،‮ ‬فقد فشلت المساعي‮ ‬الحميدة للرئيس الفرنسي‮ ‬بعد تشبث الرئيس الموريطاني‮ ‬بموقفه،‮ ‬على الرغم من ذلك التهديد المبطن الذي‮ ‬عبر عنه ديغول‮ : “… ‬فرنسا ستكون محرجة في‮ ‬مقاومة المغرب إذا قامت الأخيرة باجتياح الجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬وهذا احتمال وارد،‮ ‬خاصة أن المغرب سيستعيد دون شك،‮ ‬تيندوف بعد نهاية‮ ‬حرب الجزائر التي‮ ‬أصبحت نهايتها وشيكة‮…”.‬

بعد ديغول،‮ ‬طلب الملك الحسن الثاني‮ ‬وساطة الرئيس‮ “‬سنغور‮” ‬عن طريق مستشاره السياسي‮ ‬لرئيس الجمهورية السينغالية،‮ ‬وهذه المرة طلب الملك أن تكون المباحثات سرية تفضي‮ ‬إلى توقيع اتفاق ذي‮ ‬طابع فيدرالي‮ ‬أو كونفدرالي،‮ ‬وأن الملك سيعامل ولد داداه كرئيس دولة،‮ ‬غير أن هذا الأخير كان له رأي‮ ‬آخر‮ : “… ‬ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يعترف به علنا هو استقلال وسيادة الدولة الموريطانية،‮ ‬وبعد ذلك فقط نصبح مستعدين لنقاش اتفاقيات تحكم العلاقات في‮ ‬المجالات التي‮ ‬تقتضيها المصلحة المشتركة للمغرب وموريطانيا على‮ ‬غرار الاتفاقيات التي‮ ‬تربطنا بفرنسا أو دول الاتحاد الإفريقي‮ ‬الملغاشي‮”.‬

لقد كان الرئيس الموريطاني‮ ‬الذي‮ ‬ظل متشبثا بموقفه تجاه المغرب متأكدا من ذلك التقدم الديبلوماسي‮ ‬الذي‮ ‬تحققه موريطانيا،‮ ‬خصوصا باعترافها باستقلال الدول الإفريقية أو مناصرتها ضد التدخلات الأجنبية من قبيل اعترافها بالجزائر فور إعلان استقلالها،‮ ‬كما زاد قبول عضوية موريطانيا في‮ ‬الأمم المتحدة سنوات قليلة بعد استقلالها من دعم الموقف الموريطاني‮ ‬المصر آنذاك على إعلان المغرب اعترافه بها‮.‬

ويقول ولد داداه في‮ ‬مذكراته إن المغرب ازدادت عزلته الدبلوماسية التي‮ ‬لم‮ ‬يخرج منها إلا في‮ ‬سنة‮ ‬1969‮ ‬بفضل انعقاد القمة الإسلامية الأولى بالرباط،‮ ‬وكانت هذه السنة سنة تطبيع العلاقات الموريطانية المغربية،‮ ‬حيث طلب الطيب بنهيمة وزير الخارجية المغربي‮ ‬من ولد داداه حضور القمة الإسلامية بالرباط بناء على طلب من جلالة الملك الحسن الثاني،‮ ‬وكان جواب المختار ولد داداه كالتالي‮ : “‬إذا تلقيت من الملك دعوة مماثلة لتلك التي‮ ‬سيوجه لرؤساء الدول المدعوة لحضور المؤتمر،‮ ‬فسأرد عليها بالإيجاب وبكل سرور‮”‬،‮ ‬وهكذا كان،‮ ‬حيث‮ ‬نزل الرئيس الموريطاني‮ ‬بمطار الرباط‮ ‬يوم‮ ‬22‮ ‬شتنبر‮ ‬1969‮ : “‬ورأيت الملك محاطا بلجنة الاستقبال عند سلم الطائرة التي‮ ‬تقل وفدنا،‮ ‬وعلمُنا‮ ‬يرفرف إلى جانب العلم المغربي‮ ‬وسط حوالي‮ ‬الأربعين من أعلام مختلف الدول الإسلامية،‮ ‬ثم استمعنا إلى‭ ‬نشيدنا الوطني‮ … ‬فخامرني‮ ‬شعور بالارتياح والعزة قلما شعرت به‮”.‬

وفي‮ ‬بداية المؤتمر عرض الرئيس بومدين على الرئيس الموريطاني‮ ‬أن‮ ‬ينظم في‮ ‬الفيلا التي‮ ‬يقيم فيها لقاء بينه وبين الملك،‮ ‬فتم اللقاء،‮ ‬وهذا جزء مما حدث فيه حسب المذكرات دائما‮ : “‬لقد شكر الملك الرئيس‮ ‬بومدين،‮ ‬وقال بنبرة مزاح ودي‮ ‬إنني‮ ‬كنت خصما عنيدا ثم بدأ‮ “‬الاعتراف بخطاياه‮” ‬وقال لم أكن في‮ ‬يوم من الأيام أوافق على مطالبة المغرب بموريطانيا،‮ ‬وأعربت دوما‮ ‬‭-‬‮ ‬والكلام للملك‮ ‬‭-‬‮ ‬عن ذلك الموقف كلما سنحت لي‮ ‬الفرصة،‮ ‬وبالذات في‮ ‬جريدة لوموند،‮ ‬وأعربت لكم عن ذلك عن طريق أكثر من وسيط،‮ ‬غير أني‮ ‬لم أكن سوى ولي‮ ‬عهد ورئيس حكومة المغفور له والدي‮ ‬الذي‮ ‬كان له رأي‮ ‬مغاير لرأيي‮…‬ وأتذكر أنني‮ ‬حملت والدي‮ ‬رحمه الله عناء سهر ليلة كاملة سنة‮ ‬1960‮ ‬حين كلفني‮ ‬بالذهاب إلى الأمم المتحدة للتعبير عن معارضة المغرب لدخول بلدكم حظيرة هذه الهيئة الدولية‮. ‬كانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي‮ ‬أناقش فيها أمرا من أبي‮ ‬قبل أن أنفذه،‮ ‬وقد وضع حدا للنقاش قائلا‮ : “‬آمرك بالذهاب إلى نيويورك لمساندة موقف حكومتنا‮”. ‬وقد استجبت بالطبع لأمره دون أن أقتنع به،‮ ‬ولذا كنت،‮ ‬فيما أعتقد،‮ ‬خطيبا‮ ‬غير مقنع أمام الأمم المتحدة لأنني‮ ‬كنت أُدافع عن موقف لا أقتنع به،‮ ‬وهو أمر مخالف لطبيعتي‮. ‬ثم‮ ‬غاب والدي‮ ‬فجأة وكنت ولي‮ ‬عهده في‮ ‬كل شيء،‮ ‬ولم‮ ‬يكن بوسعي‮ ‬بين عشية وضحاها أن أُغير موقفه وإلا لأُوِّل ذلك على أنه تنكر له ولسياسته‮ …” ‬ثم اقترح الملك على مضيفه البقاء في‮ ‬الرباط‮ ‬يومين أو ثلاثة بعد انتهاء أشغال القمة الإسلامية وضعت خلالها أهم قواعد التعامل المستقبلي‮ ‬الذي‮ ‬سيفضي‮ ‬إلى اتفاقات سرية‮ ‬يكشف عنها صاحب المذكرات‮.‬

وكان من أهم الاتفاقات التي‮ ‬بين البلدين جرت بعد القمة الإسلامية لسنة‮ ‬1969،‮ ‬تبادل البعثات الدبلوماسية وتبادل السفراء والتحضير للقاء الدار البيضاء في‮ ‬يونيو‮ ‬1970‮ ‬والذي‮ ‬انتهى بتوقيع معاهدة تضامن وتعاون وحسن جوار،‮ ‬وبعد توقيع البيان الختامي‮ ‬الذي‮ ‬أكد تدارس رئيسي‮ ‬الدولتين الوضع في‮ ‬الصحراء الواقعة تحت الاحتلال الإسباني‮ ‬وقررا التعاون الوثيق للتعجيل بزوال الاستعمار وتحرير هذه الأراضي‮ ‬طبقا لقرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن،‮ ‬ناجى الملك ضيفه‮ : “‬علينا أن نحذر من الجزائريين وأن لا نشركهم في‮ ‬قضية الصحراء هذه،‮ ‬فهم الآن‮ ‬يقولون إنه لا دعاوى لديهم فيها،‮ ‬وأنهم معنيون فقط بتصفية الاستعمار منها لاسيما وأنها مجاورة للجزائر بل ومتاخمة لها،‮ ‬إنني‮ ‬أعرفهم أكثر منكم،‮ ‬فهم قادرون على تناسي‮ ‬التزاماتهم ومطالعتنا بمطالب لا‮ ‬يعلم إلا الله الوجه الذي‮ ‬ستتخذه‮…”.‬

ويبقى الأهم في‮ ‬هذا اللقاء الذي‮ ‬جمع بين الطرفين بالدار البيضاء هو أن ما كان‮ ‬يتمنى الملك الحصول عليه لم‮ ‬يتحقق،‮ ‬حيث أن الرئيس الموريطاني‮ ‬لم‮ ‬يتنازل عن مطالب بلاده في‮ ‬الصحراء الإسبانية‮ : “‬وفي‮ ‬حديثه عن الصحراء المسماة إسبانية،‮ ‬قال الملك في‮ ‬مستهل حديثه إنه كان‮ ‬يعتقد أن مطالبتنا بهذه الأراضي‮ ‬لم تكن بالنسبة لنا سوى وسيلة ضغط على المغرب لحمله على الاعتراف باستقلالنا‮ … ‬والآن،‮ ‬وقد تحقق هذا الاعتراف بشروطكم،‮ ‬أعتقد أنكم لن تتخلوا عن مطالبكم فحسب،‮ ‬بل إنكم كذلك ستساعدوننا في‮ ‬طرد المستعمرين الأسبان من أرضنا‮…” ‬غير أن جواب ولد داداه قد أثار حفيظة الملك‮ : “‬ما فتئنا نؤكد حصولنا على استقلالنا الداخلي،‮ ‬ثم استقلالنا الوطني،‮ ‬وأن الصحراء جزء لا‮ ‬يتجزأ من ترابنا الوطني‮ ‬يتعين علينا استرجاعه وتوحيده مع الجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬فالمستعمرون الفرنسيون والأسبان قد قسموا بلادنا إلى مستعمرتين هي‮ ‬موريطانيا الفرنسية التي‮ ‬نالت استقلالها،‮ ‬وموريطانيا الإسبانية التي‮ ‬يتعين تحريرها وتوحيدها مع الشطر الثاني‮”.

بعد قمة الدار البيضاء الإسلامية وما جرى خلالها من اتفاقيات على الهامش،‮ ‬التقى ولد داداه والحسن الثاني‮ ‬والهواري‮ ‬بومدين في‮ ‬قمة نواذيبو في‮ ‬شتنبر‮ ‬1970،‮ ‬وهي‮ ‬القمة التي‮ ‬لم تدم إلا‮ ‬يوما واحدا،‮ ‬كان من أهم خلاصاته تأكيد الجزائر أن لا مطالب لها في‮ ‬الصحراء المسماة إسبانية،‮ ‬إلا أنها لا‮ ‬يمكن ألا تهتم بتحريرها نظرا إلى أن‮ ‬الأمر‮ ‬يتعلق بأراض مجاورة،‮ ‬وأن كل ما تتمناه أن‮ ‬يتوصل البلدان الشقيقان إلى اتفاق من شأنه الإسراع بإزالة الاستعمار عن هذه الأرض،‮ ‬وأن من أجل تلك الغاية،‮ ‬فإن الجزائر تضع نفسها تحت تصرفهما لمساعدتهما على التوصل إلى حل‮ ‬يقبل به الجميع… ‬وهكذا كان بعدما تشكلت لجنة ثلاثية مكلفة بمتابعة مسار تصفية الاستعمار من الصحراء الخاضعة للاحتلال الإسباني‮ … ‬غير أن التنافس الجزائري‮ ‬المغربي‮ ‬الصامت أولا ثم المعلن ثانيا،‮ ‬شل أعمال اللجنة وأفقدها أية فعالية،‮ ‬وتحولت اللقاءات إلى مشاداة كلامية أصبحت شيئا فشيئا صاخبة وعنيفة،‮ ‬وكانت الدورة الأخيرة للجنة المنعقدة بنواكشوط في‮ ‬1974‮ ‬عاصفة للغاية‮ …‬

إن المثير في‮ ‬ميزان القوى بين المغرب وموريطانيا على الساحة الإفريقية والدولية هو أن التطورات السياسية التي‮ ‬حققتها موريطانيا قد تمت وهي‮ ‬خارج الجامعة العربية وخارج العلاقات الإفريقية العربية،‮ ‬فجاءت سنة‮ ‬1972‮ ‬وكان على ولد داداه أن‮ ‬يسلم مهمة الرئيس الدوري‮ ‬لمنظمة الوحدة الإفريقية للملك الحسن الثاني،‮ ‬وحضر إلى الرباط لمساعدة الملك في‮ ‬التحضير للقمة،‮ ‬فكان أن تم التوقيع على هامش أشغال القمة الإفريقية على بداية أول اتفاق سري‮ ‬بين موريطانيا والمغرب حول قضية الصحراء وهذه التفاصيل‮.‬

قلنا إن الملك الحسن الثاني‮ ‬كان‮ ‬يعتقد أن موريطانيا ستتنازل عن مطالبها في‮ ‬الصحراء بعد اعتراف المغرب باستقلالها،‮ ‬فلم‮ ‬يسئم من مطالبة الرئيس الموريطاني‮ ‬بذلك‮ : ” ‬إنني‮ ‬‭-‬‮ ‬يقول الملك‮ ‬‭-‬‮ ‬باعترافي‮ ‬بالجمهورية الإسلامية الموريطانية،‮ ‬وبتنازلي‮ ‬عن منطقة تيندوف لصالح الجزائر،‮ ‬قد قدمت أقصى ما‮ ‬يمكن من تنازلات لا لأتمتع بعلاقات طبيعية فحسب بل وامتيازية مع جارتي‮ ‬المغربيتين‮ … ‬وعليكم إذن أن تساعدوني‮ ‬يا سيادة الرئيس‮ …” ‬لكن مثل هذه الخطابات المتكررة لم تكن تلق آذانا صاغية لدى ولد داداه‮.‬
وكان قبيل اختتام المؤتمر أن التقى الملك بمضيفه الموريطاني‮ ‬على انفراد،‮ ‬واتفقا بطلب من الملك،‮ ‬على تبادل رسائل سرية بشأن تقسيم الصحراء الخاضعة للاحتلال الإسباني‮ ‬إلى جزء شمالي‮ ‬مغربي‮ ‬تسكنه قبائل مغربية،‮ ‬وآخر جنوبي‮ ‬موريطاني‮ ‬آهل بالقبائل الموريطانية،‮ ‬على أن‮ ‬يعقد فنيين لقاء لتحديد الخط الفاصل بين المنطقتين بأقصى ما‮ ‬يمكن من الدقة‮ : “‬لقد أعطيت موافقتي‮ ‬لاقتراح الملك وإن أخبرته بأن سرا مثل هذا لا‮ ‬يمكن أن أخفيه على أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي‮ ‬الوطني،‮ ‬ومن جانبه قال لي‮ ‬أنه لن‮ ‬يطلع أحدا سوى الجنرال أوفقير‮ “‬مؤتمن سري‮ ‬الذي‮ ‬لا أحتفظ بسر عنه‮” …”‬،‮ ‬وهذا ما حدث فعلا،‮ ‬حيث تبادل الطرفان الرسائل التي‮ ‬تولى مهمة طباعتها ضابط صف‮ “‬أصم كالصخرة‮” ‬وحضر لحظة تبادل الرسائل الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين‮ : “‬وكنا نحن الثلاثة سعداء جدا‮”‬،‮ ‬غير أن النشوة التي‮ ‬كانت تتملك الرئيس الموريطاني‮ ‬لم تدم طويلا،‮ ‬حيث لم‮ ‬يوقع الملك اتفاقية الرباط التي‮ ‬كان‮ ‬ينتظرها بومدين في‮ ‬الآجال المحددة،‮ ‬وزاد في‮ ‬تأجيل هذا الأمر حدوث ثاني‮ ‬انقلاب فاشل بالمغرب‮ … “‬وابتداء من نهاية‮ ‬1972،‮ ‬بدأ بومدين‮ ‬يشك في‮ ‬صدق نية الملك التي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يثق بها أبدا ثقة كبيرة‮ … ‬أما الملك الذي‮ ‬كنت أنبهه من حين لآخر مباشرة أو عن طريق المراسلة،‮ ‬فكان‮ ‬يجيبني‮ ‬بأن الوضع الداخلي‮ ‬في‮ ‬المملكة‮ ‬يستحوذ على اهتمامه إلا أنه سيصدق على تلك الاتفاقيات في‮ ‬أقرب فرصة ممكنة‮”‬،‮ ‬غير أن هناك أمورا أخرى ربما هي‮ ‬التي‮ ‬جعلت الملك‮ ‬يؤجل مصادقته على الاتفاقية السرية لترسيم الحدود المغربية الجزائرية‮.‬

لقد بدأ الملك‮ ‬يصرح لمحاوره الموريطاني‮ ‬علانية بأنه‮ ‬يتهم بومدين بتدبير عمل ما ضد المغرب بالتعاون مع إسبانيا،‮ ‬كما كان الرئيس الجزائري‮ ‬يزداد قناعة بأن الملك لن‮ ‬يصادق على الاتفاقيات وأنه‮ ‬يسعى فقط إلى كسب الوقت،‮ ‬وخلال‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬ظل كل من قائدي‮ ‬الدولتين‮ ‬يعلن مآخذه على الآخر لولد داداه‮ : “‬إن الأمر‮ ‬يتعلق بأزمة ثقة عميقة لا محيد عنها في‮ ‬ما‮ ‬يبدو‮ … ‬وقناعتي‮ ‬الراسخة،‮ ‬هي‮ ‬أنه لو قام الملك بالتصديق على اتفاقيات الرباط بشأن الحدود الجزائرية المغربية،‮ ‬لما استمالت الجزائر جبهة تحرير الصحراء المولودة بالزويرات في‮ ‬موريطانيا لتكون نواة للبوليزاريو،‮ ‬وبعبارة أخرى،‮ ‬فإن حرب الصحراء ما كان لها أن تكون لو أن ملك المغرب صدَّق على اتفاقيات الرباط‮”.‬

وكان في‮ ‬كل مرة‮ ‬يطرح فيها ولد داداه قضية اتفاقية‮ ‬1972‮ ‬السرية مع الملك الحسن الثاني‮ ‬يقدم هذا الأخير بعض المبررات التي‮ ‬لم تكن تقنع محاوره،‮ ‬من قبيل الأوضاع الداخلية للمملكة التي‮ ‬عاشت انقلابين متتالين،‮ ‬ولربما كان الملك‮ ‬يبحث عن الفرصة المناسبة لإخبار المختار ولد داداه بالاقتراح الذي‮ ‬اعتبره هذا الأخير‮ ‬غير متوقع،‮ ‬مفاده أن تتم تسوية القضية بين المغرب،‮ ‬لوحده ومباشرة،‮ ‬مع الحكومة الإسبانية أولا،‮ ‬ثم مع موريطانيا ثانيا‮ :” ‬وأُعطيكم على ذلك‮ ‬عهد شرف،‮ ‬وإلا فإن إسبانيا ستواصل اللعب على ثنائية محدثيها وتصرح لكل واحد منهم بمنطق‮ ‬يختلف عن الآخر‮” ‬وهو الاقتراح الذي‮ ‬رفضه ولد داداه‮.‬
ولكي‮ ‬يؤكد الملك حسن نيته في‮ ‬الاقتراح الذي‮ ‬تقدم به للرئيس الموريطاني،‮ ‬أقدم على خطوة اعتبرتها موريطانيا سابقة في‮ ‬تاريخ العلاقات بين البلدين،‮ ‬وتتمثل في‮ ‬اقتراح اعتراف البلدين بحقوقهما في‮ ‬الأمم المتحدة وبطلب هذه الأخيرة رفع القضية إلى محكمة لاهاي‮ :” ‬وقد أعطيت موافقتي‮ ‬على هذا الإجراء الذي‮ ‬يقدم الدليل على أنه لم‮ ‬يعد هناك لبس في‮ ‬الموقف المغربي‮” ‬يقول الرئيس الموريطاني‮.‬

وفي‮ ‬أعقاب اجتماع قمة الجامعة العربية المنعقدة بالرباط في‮ ‬أكتوبر في‮ ‬سنة‮ ‬1974،‮ ‬وبعدما أعاد الرئيس الجزائري‮ ‬هواري‮ ‬بومدين التأكيد على انعدام أية مطالب لها في‮ ‬الصحراء المتنازع عليه،‮ ‬انتقل المغرب وموريطانيا إلى رسم الحدود بين البلدين،‮ ‬وهي‮ ‬العملية التي‮ ‬باشرها الحسن الثاني‮ ‬والمختار ولد داداه في‮ ‬لقاءين متتالين وجها لوجه،‮ ‬بعدما تعذر الأمر على لجنة مشتركة،‮ ‬حيث لم‮ ‬يقبل ملك المغرب التنازل لموريطانيا إلا عن الكويرة وشريط ضيق محاذ لخليج نواديبو،‮ ‬وهو ما سيجعل الحدود تمر بدائرة العرض‮ ‬22،‮ ‬حيث كان الطرف الموريطاني‮ ‬يطالب بكامل منطقة وادي‮ ‬الذهب تاركا للمغرب منطقة الساقية الحمراء‮.‬

وفي‮ ‬دجنبر التقى الطرفان من جديد،‮ ‬وكانت المفاوضات صعبة لا تحل قضايا إلا على مستوى الملك والرئيس مباشرة،‮ ‬حيث لم تفض،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬جلستا عمل إلى أية نتيجة،‮ ‬وقد كان الإشكال قائما على مستوى الداخلة،‮ ‬حيث قال الحسن الثاني‮ ‬للرئيس الموريطاني‮ :”‬إن الإشكال الوحيد بالنسبة لي‮ ‬هو مآل الداخلة،‮ ‬فالداخلة هي‮ ‬الميناء الطبيعي‮ ‬الوحيد في‮ ‬هذا الإقليم،‮ ‬ولا بديل عنه من المنظور الإستراتيجي،‮ ‬ولابد لنظام دفاع المملكة العام من عودة الداخلة إلى المغرب،‮ ‬ولهذا السبب أعتبر أن الداخلة أكثر أهمية من باقي‮ ‬الصحراء كلها،‮ ‬فهناك بالطبع كثير من الفوسفاط في‮ ‬إقليم الساقية الحمراء،‮ ‬غير أن هذا الفوسفاط‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون بالإمكان الدفاع عنه وربما تصديره‮ ‬يوما ما عن طريق الداخلة،‮ ‬لأن‮ ‬النظام الذي‮ ‬شيده الإسبان في‮ ‬العيون‮ ‬غير قابل للبقاء،‮ ‬فهو عبارة عن مرفأ،‮ ‬ولذا أقترح عليكم خط حدود‮ ‬عموديا وليس أفقيا‮ ‬يمنحكم أرضا أوسع،‮ ‬أي‮ ‬الجزء الأكبر من وادي‮ ‬الذهب‮ …”.‬

وقد رفض ولد داداه كل تفاصيل هذا الاقتراح‮ :” ‬إذا كنا متمسكين باتفاقية‮ ‬1972،‮ ‬فأجدد اقتراحي‮ ‬بترك إقليم وادي‮ ‬الذهب لموريطانيا الذي‮ ‬تتطابق حدوده مع خط العرض‮ ‬26،‮ ‬ولن تقبل الجمهورية الإسلامية الموريطانية بحال من الأحوال أي‮ ‬حل‮ ‬يترك الداخلة،‮ ‬عاصمة إقليم وادي‮ ‬الذهب،‮ ‬خارج أرض موريطانيا‮. ‬وإذا كان الأمر بخلاف ذلك،‮ ‬فلنوقع محضرا بعجزنا هذه المرة عن الوصول إلى حل وسنواصل مفاوضاتنا آملين أن‮ ‬يلهمنا الله سواء السبيل‮”.‬

وبعد استئناف المفاوضات،‮ ‬صرح الملك للرئيس الموريطاني‮ ‬بارتياح وبشاشة،‮ ‬بموافقته حصول موريطانيا على الداخلة‮ :” ‬غير أن الحدود التي‮ ‬تقترحون‮ ‬غير مقبولة بالنسبة للمغرب الذي‮ ‬تنازل عن النقطة الرئيسة المتعلقة بالداخلة،‮ ‬فوادي‮ ‬الذهب أكبر مرتين من إقليم الساقية الحمراء‮” ‬يقول الملك الحسن الثاني‮ ‬ناقش الطرفين مطولا والخريطة بين‮ ‬يديهما قبل أن‮ ‬يتم الاتفاق بين شطري‮ ‬الصحراء المتطابقة مع خط العرض‮ ‬24‮ ‬المار مباشرة إلى الشمال من الداخلة،‮ ‬وهكذا‮ “‬صعد‮” ‬الحسن الثاني‮ ‬من خط العرض‮ ‬22‮ ‬إلى الخط‮ ‬24‮ ‬و”نزل‮” ‬ولد داداه من خط العرض‮ ‬26‮ ‬إلى الخط‮ ‬24‮ … ‬وفي‮ ‬الغد طلب الملك من محاوره إضافة تعديل طفيف بأن‮ ‬يترك للمغرب بلدة بئر انزران وهضبة‮ “‬ميجك‮” ‬الواقعة أصلا في‮ ‬الجزء العائد لموريطانيا،‮ ‬وعلل طرحه برغبته في‮ ‬إعطاء مكافأة صغيرة للجيش المغربي‮ ‬الشديد التعلق بالداخلة،‮ ‬لا سيما وأن منطقة بئرر انزران و”ميجك‮” ‬ذات أهمية استراتيجية مؤكدة بوصفها معبرا هاما بين جزأي‮ ‬الصحراء‮ … ‬وهذا ما قبل به وولد داداه تفاديا للمزيد من شد الحبل كما قال في‮ ‬مذكراته،‮ ‬حيث وقعا في‮ ‬دجنبر‮ ‬1974‮ ‬اتفاقية تقسيم الصحراء،‮ ‬وهو الاتفاق الذي‮ ‬ارتأى الطرفان أن‮ ‬يظل سريا حتى نهاية مسار تصفية الاستعمار من تلك الأراضي‮.‬

وفي‮ ‬خريف‮ ‬1975‮ ‬بمراكش،‮ ‬التقى ولد داداه بالحسن الثاني‮ ‬ثلاث مرات لاستعراض القضية المعروضة أمام محكمة العدل الدولية ومفاوضات مدريد الثلاثية بين المغرب وموريطانيا وإسبانيا،‮ ‬وأوشكت هذه المفاوضات أكثر من مرة أن تفشل بفعل المماطلات الإسبانية،‮ ‬وتطاول مرض الجينرال فرانكو وخاصة احتضاره اللامتناهي،‮ ‬وخلال أحد تلك اللقاءات في‮ ‬أكتوبر‮ ‬1975‮ ‬بمراكش،‮ ‬أخبر‮ ‬الملك الرئيس بمشروعه السري‮ ‬بتنظيم المسيرة الخضراء وشرح له الأسباب والنتائج السياسية والديبلوماسية المتوخاة منها،‮ ‬واقترح عليه تنظيم مسيرة خضراء موريطانية أو المشاركة الرمزية في‮ ‬المسيرة الخضراء‮ … ‬فرفض الرئيس الموريطاني‮ ‬هذا العرض وشرح الأسباب،‮ ‬فكانت اللقاءات الأخيرة بين الطرفين خصوصا بعد الحرب التي‮ ‬شنتها الجزائر على مورطانيا بواسطة مرتزقة البوليساريو،‮ ‬حيث كان آخر لقاء في‮ ‬ماي‮‬1978،‮ ‬شهرين قبل الإطاحة به في‮ ‬يوليوز‮ ‬1978‮ ‬في‮ ‬انقلاب عسكري‮.‬

إن الاتفاقية السرية التي‮ ‬أبرمها الحسن الثاني‮ ‬والمختار ولد داداه كان لها أثرها في‮ ‬ما بعد على العلاقات المغربية الجزائرية،‮ ‬حيث توقفت هذه العلاقات مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي،‮ ‬وقد كان السبب في‮ ‬ذلك انسحاب جزائر بومدين من المحادثات الثلاثية بشأن الصحراء في‮ ‬عام‮ ‬1970‮ ‬ببواذيبو،‮ ‬وقد كان بومدين‮ ‬يود أن‮ ‬ينسحب ولد داداه من هذه المفاوضات مع المغرب بعدما انسحبت الجزائر،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتمكن‮ ‬من إقناع الرئيس الموريطاني‮ : “‬أعترف لك‮ ‬‭-‬يقول بومدين لولد داداه‭-‬‮ ‬أنني‮ ‬لم أكن أظن أن موريطانيا ستمضي‮ ‬في‮ ‬مفاوضاتها مع المغرب في‮ ‬غياب الجزائر،‮ ‬والآن وقد حصل ذلك،‮ ‬فإنني‮ ‬أرجو لكم حظا سعيدا،‮ ‬ولكن احذروا المغاربة،‮ ‬فهم قادرون تماما على‭ ‬‮”‬خذاعكم‮” ‬لأنكم أصبحتم من الآن تفاوضونهم وجها لوجه‮…”.‬

في‮ ‬بداية شهر‮ ‬يونيو‮ ‬1975،‮ ‬بلغ‮ ‬التوتر بين المغرب والجزائر ذروته،‮ ‬فقد كان بومدين الذي‮ ‬التقاه المختار ولد داداه شديد التوتر ويتلفظ بألفاظ‮ ‬غير ديبلوماسية‮ :‬‭ ‬‮”‬لقد بلغ‮ ‬السيل الزبى من طرف الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ … ‬والذي‮ … ‬فأنا شخصيا قد‮ ‬غدوت ضحية لحملة شديدة القسوة من طرف الصحافة المغربية،‮ ‬وقد نشرت هذه الأخيرة صورة كاريكاتورية سيئة عني‮ ‬تبرزني‮ ‬بالزي‮ ‬العسكري‮ ‬وتظهرني‮ ‬كتوسعي‮ ‬وامبريالي‮… ‬إلخ،‮ ‬وأنا لن أتحمل طويلا شتائم هذه الحملة التي‮ ‬ينظمها بكل عناية الحسن الثاني‮ ‬وأعوانه المقربون،‮ ‬فأنا مازلت حتى الآن أمنع الصحافة الجزائرية والإذاعة والتلفزة من الرد بالمثل،‮ ‬غير أنني‮ ‬لن أستمر في‮ ‬إلجامها عن الرد على وسائل الإعلام المغربية إن لم تتوقف مباشرة حملتها المغرضة ضد الشعب الجزائري‮ ‬وضدي‮ ‬شخصيا‮”.‬

في‮ ‬هذا اللقاء،‮ ‬حدث بومدين المختار ولد داده لأول مرة عن جبهة التحرير الصحراوية علنية‮ :‬‭ ‬‮”… ‬بنو عمك الذين كونوا‮ “‬جبهة للتحرير‮” ‬في‮ ‬موريطانيا،‮ ‬قد أصبحوا‮ ‬يقيمون في‮ ‬الجزائر منذ فترة،‮ ‬ونحن نقدم لهم كثيرا من العون وهم‮ ‬يستعدون لكل الاحتمالات‮… ‬إلخ‮” … “‬وأن الوضع متفجر على‭ ‬طول الحدود مع المغرب والصحراء المسماة بالإسبانية،‮ ‬وجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي‮ ‬الذهب مستعدة بدورها للرد،‮ ‬إذ أن الحسن الثاني‮ ‬قد حشد قواته على‭ ‬طول الحدود نفسها،‮ ‬وهو‮ ‬يخطط لمهاجمة الجزائر واجتياح الصحراء بالتعاون مع أصدقائه في‮ ‬الحكومة الإسبانية وبمباركة من الأمريكيين والفرنسيين‮. ‬لهذا،‮ ‬فإن الجيش الجزائري‮ ‬على‭ ‬أهبة الاستعداد،‮ ‬فنحن لن نترك الحسن الثاني‮ ‬المدعوم من الإمبريالية الغربية‮ ‬يعيد ضربة أكتوبر‮ ‬1963،‮ ‬حين انتهز الضعف المؤقت للجزائر الخارجة لتوها من سبع سنوات من الحرب الضروس مع جيش الاحتلال الفرنسي،‮ ‬فطعنها في‮ ‬الظهر،‮ ‬والشعب الجزائري‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينسى ذلك العدوان،‮ ‬كما لن‮ ‬ينسى أن الحسن الثاني‮ ‬هو الذي‮ ‬فرض على‭ ‬أبيه‮ ‬‭-‬‮ ‬ذلك الرجل المحترم‮ ‬‭-‬‮ ‬أن‮ ‬يمارس ضغوطاً‮ ‬على‭ ‬الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية لتقبل التنازل عن جزء من أراضيها،‮ ‬جزء‭ ‬كان دائما‮ ‬يريد ضمه إلى‭ ‬المغرب‮… ‬وتعلم أكثر من‮ ‬غيرك أن اجتياح موريطانيا وضمها إلى‭ ‬المغرب‮ ‬يشكل إحدى‭ ‬مراحل هذا الحلم،‮ ‬وبما أن الفرنسيين قد منعوه من اجتياح موريطانيا من الشمال،‮ ‬فقد طلب من أول حكومة للجزائر المستقلة أن تترك جيوشه تعبر من تيندوف لاجتياح موريطانيا،‮ ‬وقد كان بن بلة مستعداً‮ ‬للموافقة،‮ ‬غير أنني‮ ‬بوصفي‮ ‬نائبا للرئيس ووزيرا للدفاع،‮ ‬رفضنا بصورة قاطعة هذا المشروع الذي‮ ‬لن‮ ‬يكون مدمرا لموريطانيا وحدها،‮ ‬ولكن للجزائر أيضا‮ … ‬وكانت هذه بعض أسباب الخلاف ب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*