‎موائدُ الإفطار .. عنوان التفاوت الطّبقيّ الصّارخ

يعتبر شهر رمضان من أكثر الفترات الزمنية التي يصل فيها استهلاك الأسر في موريتانيا للأطعمة والمواد الغذائية ذروته، إذ تتجاوز كميات الأغذية المستهلكلة داخل البيوت الموريتانية خلال 10 ساعات ليلية أضعافٍ ماكان يُستهلك خلال 24 ساعة في باقي أشهر السنة.

‎أطعمة متنوعة..

‎م.س : أم لأسرة ميسورة زرناها وقت الإفطار ولاحظنا تنوع موائدة إفطارها كماً وكيفاً، حيث تُزاحم  الأواني المملوءة بأنواع مشروبات الحليب وعصائر الفواكه المختلفة (البطيخ، المانجو، التفاح…)، طناجرَ الحَساء، و”الشُّوربة””، إلى جانب أطباق حلويات المخابز وتلك المُعدة في المطبخ، لتنضم إليها لاحقاً الصواني المملوءة بالفواكه المخصصة للتناول بعد وجبة الإفطار.

‎وعندما سألناها عن سبب تنوع محتويات مائدة الإفطار في منزلها، حد الإسراف ردت بأن طبيعة مكانتها في المجتمع (أم لأسرة ميسورة) تفرض عليها بذل كل ما من شأنه أن يحفظ مكانة أسرتها ويظهرها بالشكل اللائق، مستشهدة بالأثر “إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، و مؤكدة أن طبيعة التبادل الاجتماعي الذي يحدث من حين لآخر كزيارت الأقارب يفرض عليها الاهتمام بموائد الإفطار في المنزل والمبالغة في الإنفاق عليها.

‎صورة أخرى..

‎في الجهة الأخرى زرنا إحدى الأسر المعدمة وأخبرتنا السيدة ع.م وهي أرملة تدبر شؤن المنزل بالتعاون مع أختها الوحيدة بأنها تكابد وتكدح لتوفير قوت يومها في شهر رمضان المبارك، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية في هذه الفترة ، وأن ذلك يجعلها تكاد أن لا تتمكن من تهيئة مائدة الإفطار اليومية، لذا لايتعدى فطور هذه الأسرة الفقيرة تمرات وكأسيْ حليب وحساء !.

‎ارتفاع أسعار المواد الأساسية خلال رمضان

‎يرى مراقبون أن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأولى ( الزيت – القمح – السكر – الخضروات ) خلال شهر رمضان بسبب زيادة الضرائب، فاقم من معاناة الأسر الفقيرة خلال هذه الفترة، إذ تمت زيادة الضرائب قبل شهرين على مختلف حاويات المواد الاستهلاكية المستوردة بمبلغ 100.000 أوقية قديمة لكل حاوية باستثناء حاويات السكر والزيت.

‎أرقام..

‎وحسب بيان لجمعية ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻬﻠﻚ، نُشر قُبيْل بداية شهر رمضان ، فإن مجمل المواد الغذائية شهدت ارتفاعا صاروخيا في الأسعار بداية رمضان، إذ وصل ﺳﻌﺮ ﺍﻷﺭﺯ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ إلى 7000 ﺃﻭﻗﻴﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ للخنشة، ﺑﻨﺴﺒﺔ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﻭﺻﻠﺖ 16‎%‎ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﺭﺗﻔﻊ ﺳﻌﺮ ﺍﻷﺭﺯ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺭﺩ ﻣﻦ 14.500 ﺃﻭﻗﻴﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻟﻴﺼﻞ ﺇﻟﻰ 16.500 ﺃﻭﻗﻴﺔ، ﺑﻨﺴﺒﺔ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ بلغت 14‎%‎، أما ﺍﻟﻤﻌﻜﺮﻭﻧﺔ ‏« ﺍﻟﺸﻌﺮﻳﺔ ‏» فقد ارتفع ﺳﻌﺮﻫﺎ ﻣﻦ 2.500 ﺃﻭﻗﻴﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ للخنشة ، ﺇﻟﻰ 3.500 ﺃﻭﻗﻴﺔ، بنسبة زيادة تجاوزت 40‎%‎.

‎ووصل سعر طن دقيق القمح إلى 115000 بدل 104000 أوقية قديمة، وارتفع سعر الزيت 20 لتر من 7100 إلى 6300 أوقية قديمة، وزاد سعر خنشة اللبن المجفف (25kG) من 24000 إلى 33000 أوقية قديمة.

‎الموقف الديني

‎يرى الفقيه محمدن / الدا وهو إمام مسجد وشيخ محظرة في تيارت أن الكثير من الصائمين يتجاهلون الضوابط الشرعية التي حددتها الشريعة الإسلامية والمتعلقة بالإسراف حيث أمر الله تعالى في محكم كتابه بالأكل والشرب ونهى عن الإسراف (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين)، ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم قوله “نحن قوم لا نأكل إلا اذا جعنا، وإذا أكلنا لا نشبع”، وفي ذلك مافيه من معاني التخفيف وعدم الإسراف في الأكل والشرب.

‎ويضيف الفقيه : أن “الإسراف والتبذير” صفتان مذمومتان ومنهي عنهما في رمضان وفي غير رمضان، إذ يقول الله تعالى في شأن المُبذّرين (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) وروي كذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه)، لذلك ينبغي على الصائمين عدم الإكثار من الطعام وعدم التبذير في شهر رمضان، لأنهم بهذا يوفرون قوة للعبادة تمكنهم من جعل أعمال رمضان خفيفة على الأبدان، ثقيلة في الميزان.

‎الرأي الطبي

‎يرى د. محمد عبد الرحمن/ الطلبه (الخميني) الطبيب العام في عيادة الشفاء في نواكشوط أنه ينبغي للصائمين في الشهر الكريم الابتعاد عن العادات الغذائية غير الصحية إذ ليس ضروريا أن يتناول الصائم 3 وجبات كما كان يفعل يوميا قبل رمضان، وعدم المبالغة والإسراف في تناول أنواع الوجبات والمشروبات، لأن ذلك يشكل خطراً على الصائمين، وقد يسبب بعض أمراض المعدة المعروفة كالتخمة، والحموضة وغيرهما.

‎وينصح الطبيب الصائمين بالتركيز أثناء الإفطار على تناول التمور والسوائل (الماء – الحساء – الشوربة)، والتركيز على ممارسة الرياضة لإنقاص الوزن.

‎ويرى الطبيب أن مائدتيْ الإفطار والسحور يجب أن تحويا الأصناف التالية دون إسراف أو مبالغة :

‎1- الإفطار: الفواكه – التمر – اللحوم (الدجاج أو السمك) – أو الشوربة أو الحريرة – الخضار المطبوخ.

‎2- السحور : منتجات الحبوب (الخبز – الأرز -البقول – العدس) وكذا الحليب.

‎وتبقى الهوة كبيرة، والمسافة شاسعة بين موائد الأغنياء والميسورين، وبين الفقراء والمعدمين، ويزداد ذلك في شهر رمضان لأسباب عدة يتداخل فيها الإجتماعي بالإقتصادي، ومالم تتوفر أمور مختلفة كتغيّر عقليات الاستهلاك المفرط في رمضان لدى بعض الناس، وتنفيذ برامج اجتماعية خاصة لحماية الفقراء من ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، وجشع التجار، فإن الوضع سيبقى على ما كان عليه، إن لم يتفاقم !

مصطفى العالم

تقدمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*