لادجي اتراورى

لادجي اتراورى في مجتمع السونوكى هنالك مقابر ومساجد للعبيد وأخرى للنبلاء..

لادجي اتراورى

في هذا الجزء الثالث من الحوار معه تحدث لادجي اترواري عن تاريخ الديموقراطية في موريتانيا و اعتبر أنها تتقدم خطوة لترجع خطوتين إلى الوراء.

تكلمنا عن الربيع العربي و ارتداداته وإسقاطات ذلك على الوضع الموريتاني، ودور العسكر والنخب السياسية المدنية.

كما فتحنا معه موضوع حزب التحالف الشعبي التقدمي وصفقاته السياسية، وعرجنا على الاسترقاق في المجتمع السوننكي والفلاني “البولاري” و الإصلاح العقاري وقد كان الرجل واضحا في ردوده وحازما..  متابعة ممتعة.

مجيبا على سؤال حول الديموقراطية في موريتانيا وتحولاتها الراهنة ومآلاتها قال لادجي اتراوري:

أشكرك على هذا السؤال الذي هو في نفس راهن وتاريخي.

في عهد الاستعمار كنا ندرس كلا من اللغتين اللاتينية والإغريقية. وعبارة الديموقراطية كما تعلم تعني حرفيا حكم الشعب، والديموقراطية بهذا المعنى هي عملية طويلة المدى، وتعود جذورها إلى العهد الروماني و الإغريقي. و لا ننسى أن نذكر أن العبيد كانوا أول من ناضلوا أجل العبودية ومن الديموقراطية، ولا شك أنكم تعرفون بطل العبيد في العهد الإغريقي اسبارتاكوس.

نحن هنا في التحالف الشعبي التقدمي الحزب الذي يضم ضحايا الاسترقاق و الزنوج المهمشين و الفقراء؛ نعتقد أن الديموقراطية عملية تراكمية ومستمرة، وأننا ما زلنا بعيدين منها جدا.

نحن على سبيل المثال في إطار هذا النضال الذي نقوم به كانت لنا ثلاثة شروط؛ في عهد سيدي ولد الشيخ عبد الله عندما طلب دعمنا في الشوط الثاني:

الشرط الأول هو سن قانون  يجرم الممارسات الاسترقاقية؛ لأن القانون الذي أصدر في عهد ولد هيداله لم يكن كافيا ولا جيدا.

الشرط الثاني هو أنه لا بد من إعادة الموريتانيين المرحلين إلى السنغال بالقوة من طرف سلطات بلدهم، و القيام بإصلاحات عقارية وإرساء ديموقراطية حقيقية، ثم إشراكنا في السلطة كشرط ثالث، وهذا الاتفاق هو الذي نتج عنه انتخاب الرئيس مسعود ولد بلخير رئيسا للجمعية الوطنية، وحصلنا على ثلاث ورزاء من بينهم وزير الزراعة، و وزير المغرب العربي، و وزير المياه الذي كان الدكتور عمر ولد يالي.. إلخ

إذن نعتقد انه في مرحلة معينة قطعنا خطوات إلى الأمام على طريق الديموقراطية، ولكن أيضا بالمقابل كانت هناك خطوات إلى الوراء، فمنذ انقلاب العسكر على الشرعية ظلت الديموقراطية تتقهقر وتتقهقر ، وأنا حين أتحدث عن العسكر فأنا أعني منذ 1978م. إننا كلما تقدمنا خطوة تراجعنا خطوتين.

مثلا لدي قائمة بالأحزاب التي تم حلها مؤخرا، وهذا الموضوع يذكرني بالحوار الذي دخلنا فيه سنة 2011 – 2012 حيث قلنا إنه ليس من الطبيعي إذا كنا نسعى لديموقراطية حقيقية أن نؤسس هذا الكم الكبير من الأحزاب السياسية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك فقط حزبان أو ثلاثة وفي فرنسا ليس هناك أكثر من ستة أحزاب، وحتى في محيطنا الإقليمي ليس هناك مثل هذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية، هذا ما يعني أن ما لدينا ليس أحزابا بقدرما هي قبائل، وهذا ما نتج عنه وجود “تشكيلات – حقائب”، وأعتقد أنه كان الأجدى أن تكون هناك أحزاب لها امتدادات على كامل التراب الوطني؛ ولها القدرة على الحصول على أصوات الناخبين، والتي بإمكانها بالتالي أن تمثل مصالح كل الشرائح الاجتماعية بدون الرجوع إلى المرجعياتالقبلية والعرقية والجهوية أو التمايزات اللغوية.. إلخ

إذن هذه هي رؤيتنا، ونعلم أن تحقيقها يتطلب نضالا طويل النفس، ونحن مقتنعون بذلك، ولكننا اخترنا هذا الطريق؛ فنحن على سبيل المثال شاركنا في حوار 2012 وقلنا “لا للربيع العربي” لأننا في سياقات اجتماعية مختلفة، ثم عمليا ما الذي حققه الربيع العربي؟.. طبعا لا شيء، فالعالم العربي اليوم هو المنطقة الأقل أمنا في العالم، بما في ذلك الدول التي كانت أكثر أمنا مثل الجزائر والعربية السعودية. إذن الربيع العربي هو مصطلح أجوفوفارغ من أي محتوى. إن الديموقراطية التي نسعى إلى تجذيرها نريد أن يكون ذلك عن طريق ترسيخ النضال السلمي عبر الأحزاب وليس الشارع، فالشارع وحده لن يوصلنا إلى أية وجهة محددة. صحيح أن الشارع يمكن أن يلعب دورا مهما، ولكن لا بد أولا أن تكون هناك أحزاب سياسية متماسكة قادرة على التمثيل وتلعب دورها بشكل طبيعي.

إذن مشاركتنا في الحوار كانت لها نتائج، وحققنا تعديلات ملموسة رغم رفض بعض الأحزاب السياسية حينها المشاركة في الحوار، وقد قلنا وأكدنا حينها على أن الأحزاب غير القادرة على المشاركة في الانتخابات؛ أو التي لا تشارك أو لا تحصل على 1% على الأقل يجب حلها، ونحن نتحمل هذه المسؤولية حتى اليوم. فهذه الفوضى الكبيرة ليست في خدمة الديموقراطية، إن الديموقراطية ليست عبثا بل هي قوانين ونظم وتسيير وتمثيل آراء الشعب، إن الديموقراطية بهذا المعنى تُعتبر الأحزاب إحدى أهم ركائزها، وكما أوردنا نحن في نصها المؤسس؛ وكما هو أيضا مكتوب في الدستور الموريتاني؛ فإن الديموقراطية هي وسيلة الشعب للتعبير عن آرائه.

ومن هذا المنطلق فإن حزبا غير قادر على التعبير عن آراء الشعب بمختلف مكوناته ليس حزبا سياسيا بقدرما هو عودة إلى اصطفافاتنا القبلية و الإثنية و الرجعية. وهذا الأمر لا يدفعنا إلى الأمام بقدرمايعود بنا إلى الوراء.

الديموقراطية في موريتانيا تتقدم خطوات إلى الأمام ولكنها تترنح، والسبب هو إقصاء المدنيين من تسيير الشأن العام والدولة، والدولة قبل كل شيء تعني الشعب وليس الضباط العسكريين والجنرالات الذين يديرون هم وذرياتهم هذه البلاد. إننا بهذا التوجه نؤسس طبقة “كاست” تتحكم في البلد، وتريد تفصيل حياته السياسية على مقاسها، بينما ما نحتاجه هو ديموقراطية انتخابية وتمثيلية وتعددية.

إن للعسكر دورا آخر غير الحكم، فدورهم هو حماية سيادة البلد وأمنه وأمن الناس و ممتلكاتهم، وهم مواطنون مثل الجميع، ولكن دورهم ليس الحكم ولا ممارسة السياسة، ولا التعاضد من أجل التلاعب بمصير البلد ونخبته السياسية. فمنذ عهد معاوية هناك تورط متزايد للجيش وضباطه في السياسة، فلماذا تم الانقلاب على سدي ولد الشيخ عبد الله؟.. وكيف يمكن الإطاحة بنظام مثل نظام سيدي ولد الشيخ ولد عبد الله الذي سن قانونا لتجريم ممارسة الاسترقاق، وأعاد الموريتانيين الذين رحلتهم دولتهم خارج الحدود وقتلت الكثير منهم، وقام بإصلاحات عقارية؟، بينما الآن هناك ضباط من الجيش يمتلكون عشرات الهكتارات من الأراضي الزراعية وهم لا يزرعونها، ويمنعون المزارعين الأصليين من زراعتها. وبينما كانت هذه الأراضي في الماضي ملكية جماعية صارت الآن ملكية خاصة، ليس من أجل استغلالها بل فقط من أجل انتزاعها من المواطنين الذين كانوا يستغلونها.

نحن في نسق من الحكم يمكن أن يسن فيه قانون ما، ولكن هذا القانون يتم الالتفاف عليه من طرف أفراد من أجل مصلحتهم الشخصية.

عن العبودية في المجتمع السوننكي وحقيقتها قال لادجي:

شكرا لك على هذا السؤال المتعلق بالعبودية في الوسط السوننكي، وهو الهم الكبير للعميد، فقد كرست حياتي لمحاربة الاسترقاق في الوسط السوننكي وسواه، فأنا من أصول بامبارا، لأن تراوري ينحدرون من إثنية البامبارا، ولكننا ظللنا نعيش في الوسط السوننكي وأسسنا في المجتمع السوننكي جناحا أسميناه “بامبارا دوكو” وينطوي تحته كل الذين ينحدرون من البامبارا، ولكنهم يعيشون في المجتمع السوننكي، ولكنهم ليسوا عبيدا.

وهنا سأريك هذه الوثقية ل”الجمعية الموريتانية لمحاربة الاسترقاق ومخلفاته” وقد تأسست 2008 و أنا عميدها، ومؤخرا كنت في نواذيبو في إطار مهمة تخليد اليوم الوطني لمحاربة العبودية ومخلفاتها، وها هوذا تقريري النهائي حول الظاهرة الذي كان عصارة هذه الرحلة، وقد قررنا السنة الماضية تنظيم قافلة بمناسبة اليوم الوطني لمحاربة الاسترقاق و مخلفاته جابت ولاية كيديماغا وبلدياتها ال18 من أجل التحسيس والتوعية بهذه المعضلة، وقد اتخذنا هذا القرار وعيا منا بضرورته، وهنا سوف أدهشك حين أقول لك إن هيكلة المجتمع “البيظاني” تتطابق مع هيكلة المجتمع السوننكي. لأن هذه الهيكلة هي التي كانت تطبع المجتمع السوننكي الاسترقاقي القديم قبل مجيئ البربر. فالمجتمع السوننكي مؤسس على التراتبية وهذه التراتبية هي التي تم نقلها إلى المجتمع “البيظاني”، فهناك المحاربون والنبلاء و “الزوايا” وهناك عبيد وحراطين. هذا بالإضافة إلى نظام الطبقات “الكاست” والمهن مثل النجارين والنحاتين والفنانين إلخ.. وهذه هي المعضلة الكبيرة. ومن المؤسف أن الكثيرين يجهلون تاريخنا فشنقيط وولاته وأطار كلها عبارات سوننكية. إذن موريتانيا كانت جزء من ممالك وإمبراطوريات قديمة في غرب أفريقيا مثل غانا ومالي والصونغاي، وفي المحصلة ليست هناك أية فورق جوهرية بين هيكلة المجتمع السوننكي وهيكلة المجتمع “البيظاني”، فهناك نفس المخلفات؛ وإن كانت الدرجات تتفاوت، بينما الفلان أو “الهالبولارن” قد قاموا بثورتهم “توروبي” منذ القرن الثامن عشر، وبالتالي فإن وضعهم أحسن، وإن كانت ذات الهيكلة تعرف حضورا خفيفا لديهم بالمقارنة مع مجتمع “البيظان” والسوننكي، والذي ما زالت هذه الممارسات الاسترقاقية والظالمة تلقي بظلالها على علاقات الأفراد والأسر فيه.. إذن هذا ما يحدث في الوسط السوننكي، وأنا مناضل ضد العبودية وكل الممارسات الاسترقاقية والظالمة في المجتمع، مثلا في سنة 2008 قام أحد المنحدرين من المستعبدين السابقين في بلدية انجاجبني كانديغا بالتقدم للترشح، وقد رفض كثيرون هذا الترشح على اعتبار أنه من الطبقات السفلية، غير أننا وقفنا ضد هذا التمييز وكان ذلك بداية تأسيس جمعيتنا المناهضة للاسترقاق ومخلفاته.

وفي سؤال صريح هل هناك عبودية بالمعنى التقليدي، أي أن شخصا يملك شخصا ويعمل له دون مقابل؛ رد لادجي اتراوري:
إن هذه الظاهرة قد اختفت، فليس هناك شخص مسترق بهذا المعنى، ولكن هناك مخلفات ما زالت قائمة، مثلا المنحدرون من أصول عبيد لا يملكون الأراضي، ولا يمكنهم أن يكونوا ممثلي القرية الرسميين أو رؤساءها، ولا يمكنهم أن يكونوا أئمة ولذا أسسوا مساجدهم. لأن الإمامة محتكرة في طبقة وأسر محددة مثل سافور وكوريرا وسيسي الخ..

وفيما يتعلق بالمقابر وانفصال المستعبدين السابقين عن الأسياد السابقين أجاب لادجي:

إن هناك مقابر للمنحدرين من أصول مسترقة ومقابر أخرى للنبلاء، لأن هذه القرى تدار من خلال مجلس قروي، وهذا المجلس لا يمكن أن يترأسه إلا أحد النبلاء، وهو من يقتطع جزء من الأرض ويخصصه للنبلاء وجزء آخر للمستعبدين السابقين. ورئيس القرية هذا هو من يسير المسجد ويحدد إمامه،ويسير شؤون المقابر، ومن هنا اتخذ المستعبدون السابقون قرارهم بإنشاء مساجدهم ومقابرهم الخاصة.. إذن الأمر يذهب إلى أبعد حد في هذا السياق!

تقدمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*