النوش..

النوش لغة مصدر من فعل ناش ينوش ، وناش الجالس أسرع في النهوض، و ناش الشيء تناوله، ومن ذلك قول الشيخ أحمد البدوي في نظمه للغزوات :

وناشهم سلمة بن الأكوع *** وهو يقول اليوم يوم الرضع

واصطلاحا هو مطاردة يقوم بها الرجال لبعض أنواع الحيوانات، عبر الإمساك بأذنابها لقصد معين ؛ مثل وضع علامة مميزة على الصغار، أو حقن المبيطر أوطعنه للدابة المريضة ، أو تقييد الضوال الهمل، أو ترويض الدواب الشرد، أو تهذيب مراس العوذ المطافيل، و في ذلك كله تستوى الإبل و البقر. إلا أن طرق تثبيتهما تختلف – كما أخبرنى أحد أهل التخصص- ففى الإبل يكفى الإمساك بالرجل الخلفية، لتوقيف البعير أو البكرة، أما الثيران والعجول فتثبيتها يتطلب الإمساك بالسوق الأمامية لكي تكف عن الركض والعدو.
ويعتمد “النوش” على اللياقة البدنية، أولا و الخبرة و الممارسة ثانيا ، و لابد للرعاة و المنمين من احترافه، للقيام بالمهمات التى أشرنا إليها آنفا.

 

وقد وسَّع مجتمع البيظان ، الحقل الدلالي لكلمة “النوش” فأطلقوا “نوش التاديت” على السؤر الذى يحتسيه الحالب بين الفيقتين، أو قبل حلبه لدابة أخرى . كما استعاروا أيضا “نوش البيت و الكاف” لمن تذكر عجز البيت دون صدره….

وتروى في المجالس البدوية طرفٌ عديدة تتعلق ب”النوش” منها أن عسكريا فرنسيا مرَّعلى منمِ يُدعى :”ول ا گب” فرآى في إبله بعيرا أعجبه، فقال للمترجم الذى يرافقه مُرْهُ أن يعقل ذلك البعير، فسوف نعزز به قافلة البريد، فبادر المنمي كالمنفذ لطلب الفرنسي، ومال إلى ذنب البعير وقرصه قرصة مؤلمة، فثار الأخير و ركض بصاحبه ركضا قويا، ثم مرَّ به مسرعا بين أشجار القتاد والسيال، فسالت الدماء من أطراف المنمي، وترك البعير شاردا وكرّ راجعا ، فاشمأز الفرنسي – الذي كان يراقب المشهد- ، من نفور البعير و ما سببه لصاحبه من الضرر، وأمر المترجم أن يخبره بعدم حاجته إليه، فقال له المترجم – وقد فطن لحيلته – “حَكْ عَنْ ذَاكْ گِدْ نَوْشَكْ يَوُلْ اگبَ” فسارت مثلا .

ومنها أن أحد رجالات المحصر كان مجندا في “گوميات” وكلفه “كوماند” بمهمة عويصة تتعلق بنقل بريد عاجل من أطار إلى المذرذرة، و رصد له جائزة سنية؛ إذا ما تمكن من توصيل البريد في الوقت المحدد، فلما جاوز إنشيرى ضل أحد جمال القافلة ليلا وعلى ظهره زاده وشرابه، فاستغاث بالشيخ الصالح لمرابط محمذفال بن متالى رحمه الله ، فلما أصبح طلب الجمل فوجده قرب شجرة يأكل من ورقها، فاقترب منه و أمسك ذيله ، فركض به الجمل يمينا وشمال في حزون الأرض وسهلها، لكن الرجل كان “نواشا” فأمسكه و زمَّه، والتفت إلى الخلف كالذى يحدث مرافقه وقال: ( لِمْرَابِطْ رَانَكْ عَدَّلْتْ ذَاكْ الِّ اعْلِيكْ أُمَزَالْ ذَاكْ الِّ شُورِ يَانَ وِنْدُورْ نَتِقْنُ )

وقد حدثنى الثقة أن “النوش” كان الرياضة المفضلة لأحد الخلفاء الذين ساسوا بلدنا ، فقد كان من عادته أن يلبس جلبابا أسود ويتجه فجرا، إلى معطن غير بعيد من القصر الرئاسي، فيمسك بذنب بعير أو بكرة ، فتميل به ذات اليمين و ذات الشمال، حتى يقطع مسافة بعيدة على تلك الحال، ثم يرجع وقد تصبب عرقا ، فيدخل الحمام، قبل أن يمارس نشاطاته الرسمية.

ومن النكت الايگيدية المتعلقة بالموضوع، ما يروى أن أحد الطلاب كان يقرأ خطبة القاموس على شيخه فلما بلغ قول مجد الدين الفيروز أبادى :(_ … على أنى أذهب إلى ما قال أبو زيد إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التى ياتى ماضيها على فعَلَ فأنت في المستقبل بالخيار..)

قال الشيخ ” أرَاه ُ لاحْتُ فَعَلَ” و “اللوح” بالحسانية يطلق على رمي الدابة لمن ينوشها على الأرض.
ومن قصص النوش أيضا؛ أن شيخا من بني ديمان كان في تلاميذه شاب من “إيجك” شديد الذكاء، موطأ الأكناف، فأعجب به الشيخ كثيرا حتى أسرَّ إلى بعض أهله أنه سيزوجه ابنته، فاشتد ذلك عليهم لما يرون من أحقية بني عمومتها بها من جهة، ولما يخفى على الشيخ من طباع الشاب من جهة أخرى، , فاحتال أحدهم على التلميذ يوما فأوهمه أن” لمرابط” اليوم سيضع الميسم على بعير له، لكن شروده حال دون ذلك، فبادر التلميذ إلى ذنب البعير الشرود وأمسكها ، وبعد شد وجذب بين منازل الحي؛ مرَّ به البعير أمام خيمة الشيخ ، فقطع أحد طنبها، وتدفق شراب الشيخ على كتبه وفراشه، فسألهم عن سبب ذلك؟ فقالوا هذا تلميذكم فلان ، يحاول إمساك البعير، فأمرهم أن يخبروه بأن يدع البعير وشأنه، فلم تعد له به حاجة، ففهموا من ذلك أن مقصدهم قد تحقق.
وقد استخدم الأدباء مصطلح ” النوش” في أشعارهم إما تصريحا أو تلميحا ، حيث نجد الشيخ امحمد بن أحمد يور يورد المثل العامي الشهير “عذر النواش” في إحدى روائعه التى ذكر فيها أماكن من مقاطعة الركيز حين قال:

إِبْنـِـــصَّكْ وَ للَّ گَاعْ إِزِيدْ *** امْشَ تِشْــوَاشْ ازْمَـانْ ابْعِــيدْ

وانـْــتَ تَاهِمْ عَنُّ مُفِيدْ *** أيَمْ التـِّـشْوَاشْ اعْليِكْ اعْمَاشْ

واتْبَانْ اعْذَرْتْ ابْلِمْهيِريدْ *** وِبْكِتـْــبِيـتْ اللَّ لِلتـِّـــــشْوَاشْ

أهَذا هُوَّ مَوْگـَـــفْ تَوْحِيدْ *** اللـَّــــگاطْ أعـِــــــذْرْ النَّوَاشْ

وأثرَكْ لَجـَـــيْتْ التُمْبَزَيْدْ *** مِنْ جِيـــــهِتْ لُـوَيْدْ ال ِّخَاشْ

فَجَارْ امْــنْ امْگابِلْ لِغْرَيدْ *** مَــا يَبـْـــــگالِ مِنــَكْ مُنْگاشْ

والمثل يضرب عادة في الذى يفشل في إنجاز مهمة أوكلت إليه، فيبدأ في سرد الأعذار التى حالت دون إتمامها، تماما كما يفعل “النواش” إذاما انفلت ذيل الدابة من يديه؛ فيلقى اللوم على طبيعة الأرض و قصر المضمار وعرق اليدين ….

أما الأديب آدبّ بن الشيخ أحمد فقد أشار إلى النوش تلميحا في قوله ” يَعْـمَلْ مُـــلاَنَ مَا تِنْتَاشْ ” الوارد في نصه التالى:

عـَـــگْلِ عَـــنِّ لاَهِ تِمْــشِ *** ذَرْوَكْ نَافِــــدْ سِبِّتْ فِلْشِ

مَشْــــيَكْ عَنَّ مَاهُ مِنْشِ *** نِحْنَ ذُ وَاحِدْ فِالتِّـــشبَاشْ

غِيرْ إلَ گِلْتْ ألاَّ تِمْـــــشِ *** يَعْـمَلْ مُـــلاَنَ مَا تِنْـــتَاشْ

آنَ هـُــــوَّ الِّ مَـانِمْـــــشِ *** وَاعِدْ سِــبِّتْ فِلْشِ وَلاِّشْ

أما الشيخ الأديب محمد بن أحمد سالم الأبهمي، فقد صور لنا في قطعته التالية، مشهدا نادرا من مشاهد “النوش” ، بطله الشاعر نفسه، حيث ذكر أن جملا لشيخه كان قد شرد لفترة طويلة، حتى صار متوحشا لا يألف البشر، ثم إنه رجع – بعد مطاردة مع أسود شمامة- إلى مسارح “انيفرار” فبادر طلاب الشيخ ومريدوه بملاحقته بهدف الإمساك به لكنهم عجزوا عن ذلك لقوته وشدة نفوره، فانتدب الشاعر القوي للمهمة وقام بها على الوجه المطلوب، وهذه الأبيات تشى بخبرة الشيخ في تطويع ضوال الإبل وشوارد اللغة :

و معود صرع الكماة مشرد *** أوحــى إلي مقـــالة المــتـــشدد

يا أيها الغـــادى يشــمر ذيله *** حدبا ليـأخذ مــقودى و مقيــدى

كذبتك نفسك في شرود جافل *** ذى مرة في نفــسه مــــتأبد

نجم المصيف عليه تدعو أنفه *** قنن القــــــتاد اليـــانع المتــأود

كادت تقـــدمه مخوض قادها *** قدر إلى ركــــن لها مـــستأسد

بينا هما في غيضة قد طالما *** طلبا جــــناها من مــكان أبعد

شد السباع عليهــــما فعقرنها *** و مضى لوجهته نجــاء خفيدد

قلت اتئد فلســوف تبقى موثقا *** قسرا ألد بغــــير قـــيد محصد

أنجتك من شرك السباع عناية*** قادتك نحــوى لاقطــا لك باليد

فغدا تـــقود له التلامذ فى ذرى *** شيــخ كريم النجر هــاد مهتد

وأغلب الظن عندى أن الشيخ المذكور في الأبيات هوالشيخ أحمد الفاضل لأن الشاعر أخذ عنه هو و بنوه، و لِمَا يُكنه له الشيخ من التقدير و الإعجاب ومن ذلك قولته الشهيرة : عجبت لمن يضحك وليس عنده ابن عم كمحمد بن أحمد سالم ، ثم إن الشيخ كان معروفا بكثرة الإبل و إلى ذلك يشير سيد أحمد لحبيب بن المختار الفاضلى في منظومته للعبر بقوله: وماله من إبل ومن بقر الخ…

الباحث يعقوب بن عبد الله بن أبُنْ
——————————

شرح بعض الكلمات الواردة في القطعة تتميما للفائدة:

ذى مرة: المرة القوة و الجمع المرر و أصلها قوة الفتل و الإمرار إحكام الفتل.
يقول لبيد في معلقته:
رجعا بأمرهما إلى ذى مرة ***حصد ونجح صريمة إبرامها

متأبد: متوحش ، متأيد: اسم فاعل من تأود ، تأوده الأمر ثقل عليه وشق

نجاء: الإسراع، الخفيدد: السريع و تطلق أيضا على الظليم الخفيف لسرعته.
يقول طرفة في معلقته:
و إن شئت سامى واسط الكور رأسها *** وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*